Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 46:1-4
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
أمّا المَطْلُوبُ الأوَّلُ: وهو إثْباتُ الإلَهِ بِهَذا العالَمِ، وذَلِكَ لِأنَّ الخَلْقَ عِبارَةٌ عَنِ التَّقْدِيرِ، وآثارُ التَّقْدِيرِ ظاهِرَةٌ في السَّماواتِ والأرْضِ مِنَ الوُجُوهِ العَشَرَةِ المَذْكُورَةِ في سُورَةِ الأنْعامِ، وقَدْ بَيَّنّا أنَّ تِلْكَ الوُجُوهَ تَدُلُّ عَلى وُجُودِ الإلَهِ القادِرِ المُخْتارِ.
صفحة ٤
وأمّا المَطْلُوبُ الثّانِي: وهو إثْباتُ أنَّ إلَهَ العالَمِ عادِلٌ رَحِيمٌ فَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا بِالحَقِّ﴾ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿إلّا بِالحَقِّ﴾ مَعْناهُ إلّا لِأجْلِ الفَضْلِ والرَّحْمَةِ والإحْسانِ، وأنَّ الإلَهَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ فَضْلُهُ زائِدًا وأنْ يَكُونَ إحْسانُهُ راجِحًا، وأنْ يَكُونَ وُصُولُ المَنافِعِ مِنهُ إلى المُحْتاجِينَ أكْثَرَ مِن وُصُولِ المَضارِّ إلَيْهِمْ، قالَ الجُبّائِيُّ: هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ ما بَيْنَ السَّماواتِ والأرْضِ مِنَ القَبائِحِ فَهو لَيْسَ مِن خَلْقِهِ بَلْ هو مِن أفْعالِ عِبادِهِ، وإلّا لَزِمَ أنْ يَكُونَ خالِقًا لِكُلِّ باطِلٍ، وذَلِكَ يُنافِي قَوْلَهُ: ﴿ما خَلَقْناهُما إلّا بِالحَقِّ﴾ [الدخان: ٣٩]، أجابَ أصْحابُنا وقالُوا: خَلْقُ الباطِلِ غَيْرٌ، والخَلْقُ بِالباطِلِ غَيْرٌ، فَنَحْنُ نَقُولُ: إنَّهُ هو الَّذِي خَلَقَ الباطِلَ إلّا أنَّهُ خَلَقَ ذَلِكَ الباطِلَ بِالحَقِّ لِأنَّ ذَلِكَ تَصَرُّفٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى في مُلْكِ نَفْسِهِ، وتَصَرُّفُ المالِكِ في مُلْكِ نَفْسِهِ يَكُونُ بِالحَقِّ لا بِالباطِلِ.