Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 45:1-6
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
ثُمَّ قالَ: ﴿وتَصْرِيفِ الرِّياحِ﴾ وهي تَنْقَسِمُ إلى أقْسامٍ كَثِيرَةٍ بِحَسَبِ تَقْسِيماتٍ مُخْتَلِفَةٍ فَمِنها المَشْرِقِيَّةُ والمَغْرِبِيَّةُ والشَّمالِيَّةُ والجَنُوبِيَّةُ، ومِنها الحارَّةُ والبارِدَةُ، ومِنها الرِّياحُ النّافِعَةُ والرِّياحُ الضّارَّةُ، ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الأنْواعَ الكَثِيرَةَ مِنَ الدَّلائِلِ قالَ: إنَّها ﴿آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى جَمَعَ هَذِهِ الدَّلائِلَ في سُورَةِ البَقَرَةِ فَقالَ: ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ والفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي في البَحْرِ بِما يَنْفَعُ النّاسَ وما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِن ماءٍ فَأحْيا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وبَثَّ فِيها مِن كُلِّ دابَّةٍ وتَصْرِيفِ الرِّياحِ والسَّحابِ المُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤]، فَذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الأقْسامَ الثَّمانِيَةَ مِنَ الدَّلائِلِ، والتَّفاوُتُ بَيْنَ المَوْضِعَيْنِ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾، وقالَ هَهُنا: ﴿إنَّ في السَّماواتِ﴾، والصَّحِيحُ عِنْدَ أصْحابِنا أنَّ الخَلْقَ عَيْنُ المَخْلُوقِ، وقَدْ ذَكَرَ لَفْظَ الخَلْقِ في سُورَةِ البَقَرَةِ ولَمْ يَذْكُرْهُ في هَذِهِ السُّورَةِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ لا يَتَفاوَتُ بَيْنَ أنْ يُقالَ: السَّماواتُ وبَيْنَ أنْ يُقالَ: خَلْقُ السَّماواتِ فَيَكُونُ هَذا دَلِيلًا عَلى أنَّ الخَلْقَ عَيْنُ المَخْلُوقِ.