Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 44:51-59
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
والثّالِثُ: أنَّ الجَنَّةَ حَقِيقَتُها ابْتِهاجُ النَّفْسِ وفَرَحُها بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى وبِطاعَتِهِ ومَحَبَّتِهِ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَإنَّ الإنْسانَ الَّذِي فازَ بِهَذِهِ السَّعادَةِ فَهو في الدُّنْيا في الجَنَّةِ وفي الآخِرَةِ أيْضًا في الجَنَّةِ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَقَدْ وقَعْتِ المَوْتَةُ الأُولى حِينَ كانَ الإنْسانُ في الجَنَّةِ الحَقِيقِيَّةِ الَّتِي هي جَنَّةُ المَعْرِفَةِ بِاللَّهِ والمَحَبَّةِ، فَذِكْرُ هَذا الِاسْتِثْناءِ كالتَّنْبِيهِ عَلى قَوْلِنا: إنَّ الجَنَّةَ الحَقِيقِيَّةَ هي حُصُولُ هَذِهِ الحالَةِ لا الدّارُ الَّتِي هي دارُ الأكْلِ والشُّرْبِ، ولِهَذا السَّبَبِ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: («أنْبِياءُ اللَّهِ لا يَمُوتُونَ، ولَكِنْ يُنْقَلُونَ مِن دارٍ إلى دارٍ» ) .
والرّابِعُ: أنَّ مَن جَرَّبَ شَيْئًا ووَقَفَ عَلَيْهِ صَحَّ أنْ يُقالَ: إنَّهُ ذاقَهُ، وإذا صَحَّ أنْ يُسَمّى العِلْمُ بِالذَّوْقِ صَحَّ أنْ يُسَمّى تَذَكُّرُهُ أيْضًا بِالذَّوْقِ، فَقَوْلُهُ: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلّا المَوْتَةَ الأُولى﴾ يَعْنِي إلّا الذَّوْقَ
صفحة ٢١٨
الحاصِلَ بِسَبَبِ تَذَكُّرِ المَوْتَةِ الأُولى.
السُّؤالُ الثّانِي: ألَيْسَ أنَّ أهْلَ النّارِ أيْضًا لا يَمُوتُونَ فَلِمَ بَشَّرَ أهْلَ الجَنَّةِ بِهَذا مَعَ أنَّ أهْلَ النّارِ يُشارِكُونَهم فِيهِ ؟ والجَوابُ: أنَّ البِشارَةَ ما وقَعَتْ بِدَوامِ الحَياةِ بَلْ بِدَوامِ الحَياةِ مَعَ سابِقَةِ حُصُولِ تِلْكَ الخَيْراتِ والسَّعاداتِ فَظَهَرَ الفَرْقُ.
* * *