Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 44:1-9
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
أمّا قَوْلُهُ: ﴿كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾، فالحَكِيمُ مَعْناهُ ذُو الحِكْمَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ تَخْصِيصَ اللَّهِ تَعالى كُلَّ أحَدٍ بِحالَةٍ مُعَيَّنَةٍ مِنَ العُمُرِ والرِّزْقِ والأجْلِ والسَّعادَةِ والشَّقاوَةِ يَدُلُّ عَلى حِكْمَةٍ بالِغَةٍ لِلَّهِ تَعالى، فَلَمّا كانَتْ تِلْكَ الأفْعالُ والأقْضِيَةُ دالَّةً عَلى حِكْمَةِ فاعِلِها وُصِفَتْ بِكَوْنِها حَكِيمَةً، وهَذا مِنَ الإسْنادِ المَجازِيِّ، لِأنَّ الحَكِيمَ صِفَةُ صاحِبِ الأمْرِ عَلى الحَقِيقَةِ، ووَصْفُ الأمْرِ بِهِ مَجازٌ، ثُمَّ قالَ: ﴿أمْرًا مِن عِنْدِنا﴾، وفي انْتِصابِ قَوْلِهِ: ﴿أمْرًا﴾ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ نُصِبَ عَلى الِاخْتِصاصِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ شَرَفَ تِلْكَ الأقْضِيَةِ والأحْكامِ بِسَبَبِ أنْ وصَفَها بِكَوْنِها حَكِيمَةً، ثُمَّ زادَ في بَيانِ شَرَفِها بِأنْ قالَ: أعْنِي بِهَذا الأمْرِ أمْرًا حاصِلًا مِن عِنْدِنا كائِنًا مِن لَدُنّا، وكَما اقْتَضاهُ عِلْمُنا وتَدْبِيرُنا.
والثّانِي: أنَّهُ نُصِبَ عَلى الحالِ، وفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ حالًا مِن أحَدِ الضَّمِيرَيْنِ في ﴿أنْزَلْناهُ﴾، إمّا مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ أيْ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ﴾ آمِرِينَ أمْرًا، أوْ مِن ضَمِيرِ المَفْعُولِ أيْ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ﴾ في حالِ كَوْنِهِ أمْرًا مِن عِنْدِنا بِما يَجِبُ أنْ يَفْعَلَ.
والثّالِثُ: ما حَكاهُ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ عَنْ أبِي الحَسَنِ رَحِمَهُما اللَّهُ: أنَّهُ حَمَلَ قَوْلَهُ: ﴿أمْرًا﴾ عَلى الحالِ، وذُو الحالِ قَوْلُهُ: ﴿كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾، وهو نَكِرَةٌ.
* * *