Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 43:76-80
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ مالِكًا لَمّا أجابَهم بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّكم ماكِثُونَ﴾ ذَكَرَ بَعْدَهُ ما هو كالعِلَّةِ لِذَلِكَ الجَوابِ فَقالَ: ﴿لَقَدْ جِئْناكم بِالحَقِّ ولَكِنَّ أكْثَرَكم لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾، والمُرادُ نَفْرَتُهم عَنْ مُحَمَّدٍ وعَنِ القُرْآنِ، وشَدَّةُ بُغْضِهِمْ لِقَبُولِ الدِّينِ الحَقِّ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ قالَ: ﴿ونادَوْا يامالِكُ﴾ بَعْدَ ما وصَفَهم بِالإبْلاسِ ؟ قُلْنا: تِلْكَ أزْمِنَةٌ مُتَطاوِلَةٌ وأحْقابٌ مُمْتَدَّةٌ، فَتَخْتَلِفُ بِهِمُ الأحْوالُ فَيَسْكُتُونَ أوْقاتًا لِغَلَبَةِ اليَأْسِ عَلَيْهِمْ، ويَسْتَغِيثُونَ أوْقاتًا لِشِدَّةِ ما بِهِمْ، رُوِيَ أنَّهُ يُلْقى عَلى أهْلِ النّارِ الجُوعُ حَتّى يَعْدِلَ ما هم فِيهِ مِنَ العَذابِ، فَيَقُولُونَ: ادْعُوا مالِكًا فَيَدْعُونَ: ﴿ونادَوْا يامالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ﴾، ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى كَيْفِيَّةَ عَذابِهِمْ في الآخِرَةِ ذَكَرَ بَعْدَهُ كَيْفِيَّةَ مَكْرِهِمْ وفَسادَ باطِنِهِمْ في الدُّنْيا فَقالَ: ﴿أمْ أبْرَمُوا أمْرًا فَإنّا مُبْرِمُونَ﴾، والمَعْنى: أمْ أبْرَمُوا أيْ مُشْرِكُو مَكَّةَ أمْرًا مِن كَيْدِهِمْ ومَكْرِهِمْ بِرَسُولِ اللَّهِ، فَإنّا مُبْرِمُونَ كَيْدَنا كَما أبْرَمُوا كَيْدَهم، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ المَكِيدُونَ﴾ [الطور: ٤٢]، قالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في تَدْبِيرِهِمْ في المَكْرِ بِهِ في دارِ النَّدْوَةِ، وهو ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وقَدْ ذَكَرْنا القِصَّةَ.
* * *