Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 43:48-62
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الوَجْهُ الثّالِثُ في التَّأْوِيلِ: وهو أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا حَكى أنَّ النَّصارى عَبَدُوا المَسِيحَ وجَعَلُوهُ إلَهًا لِأنْفُسِهِمْ، قالَ كُفّارُ مَكَّةَ: إنَّ مُحَمَّدًا يُرِيدُ أنْ يَجْعَلَ لَنا إلَهًا كَما جَعَلَ النَّصارى المَسِيحَ إلَهًا لِأنْفُسِهِمْ، ثُمَّ عِنْدَ هَذا قالُوا ﴿أآلِهَتُنا خَيْرٌ أمْ هُوَ﴾ يَعْنِي أآلِهَتُنا خَيْرٌ أمْ مُحَمَّدٌ، وذَكَرُوا ذَلِكَ لِأجْلِ أنَّهم قالُوا: إنَّ مُحَمَّدًا يَدْعُونا إلى عِبادَةِ نَفْسِهِ، وآباؤُنا زَعَمُوا أنَّهُ يَجِبُ عِبادَةُ هَذِهِ الأصْنامِ، وإذا كانَ لا بُدَّ مِن أحَدِ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ فَعِبادَةُ هَذِهِ الأصْنامِ أوْلى، لِأنَّ آباءَنا وأسْلافَنا كانُوا مُتَطابِقِينَ عَلَيْهِ، وأمّا مُحَمَّدٌ فَإنَّهُ مُتَّهَمٌ في أمْرِنا بِعِبادَتِهِ، فَكانَ الِاشْتِغالُ بِعِبادَةِ الأصْنامِ أوْلى، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنّا لَمْ نَقُلْ إنَّ الِاشْتِغالَ بِعِبادَةِ المَسِيحِ طَرِيقٌ حَسَنٌ، بَلْ هو كَلامٌ باطِلٌ، فَإنَّ عِيسى لَيْسَ إلّا عَبْدًا أنْعَمْنا عَلَيْهِ، فَإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَقَدْ زالَتْ شُبْهَتُهم في قَوْلِهِمْ: إنَّ مُحَمَّدًا يُرِيدُ أنْ يَأْمُرَنا بِعِبادَةِ نَفْسِهِ، فَهَذِهِ الوُجُوهُ الثَّلاثَةُ مِمّا يَحْتَمِلُ كُلُّ واحِدٍ مِنها لَفْظَ الآيَةِ.