Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 43:40-47
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَهم في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ بِالعَشى وصَفَهم في هَذِهِ الآيَةِ بِالصَّمَمِ والعَمى، وما أحْسَنَ هَذا التَّرْتِيبَ، وذَلِكَ لِأنَّ الإنْسانَ في أوَّلِ اشْتِغالِهِ بِطَلَبِ الدُّنْيا يَكُونُ كَمَن حَصَلَ بِعَيْنِهِ رَمَدٌ ضَعِيفٌ، ثُمَّ كُلَّما كانَ اشْتِغالُهُ بِتِلْكَ الأعْمالِ أكْثَرَ كانَ مَيْلُهُ إلى الجُسْمانِيّاتِ أشَدَّ، وإعْراضُهُ عَنِ الرُّوحانِيّاتِ أكْمَلَ، لِما ثَبَتَ في عُلُومِ العَقْلِ أنَّ كَثْرَةَ الأفْعالِ تُوجِبُ حُصُولَ المَلَكاتِ الرّاسِخَةِ، فَيَنْتَقِلُ الإنْسانُ مِنَ الرَّمَدِ إلى أنْ يَصِيرَ أعْشى، فَإذا واظَبَ عَلى تِلْكَ الحالَةِ أيّامًا أُخْرى انْتَقَلَ مِن كَوْنِهِ أعْشى إلى كَوْنِهِ أعْمى، فَهَذا تَرْتِيبٌ حَسَنٌ مُوافِقٌ لِما ثَبَتَ بِالبَراهِينِ اليَقِينِيَّةِ، رُوِيَ أنَّهُ ﷺ كانَ يَجْتَهِدُ في دُعاءِ قَوْمِهِ وهم لا يَزِيدُونَ إلّا تَصْمِيمًا عَلى الكُفْرِ وتَمادِيًا في الغَيِّ، فَقالَ تَعالى: ﴿أفَأنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أوْ تَهْدِي العُمْيَ﴾ يَعْنِي أنَّهم بَلَغُوا في النَّفْرَةِ عَنْكَ وعَنْ دِينِكَ إلى حَيْثُ إذا أسْمَعْتَهُمُ القُرْآنَ كانُوا كالأصَمِّ، وإذا أرَيْتَهُمُ المُعْجِزاتِ كانُوا كالأعْمى، ثُمَّ بَيَّنَ
صفحة ١٨٥
تَعالى أنَّ صَمَمَهم وعَماهم إنَّما كانَ بِسَبَبِ كَوْنِهِمْ في ضَلالٍ مُبِينٍ.