Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 43:26-30
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلاءِ وآباءَهُمْ﴾ يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ، وهم عَقِبُ إبْراهِيمَ، بِالمَدِّ في العُمُرِ والنِّعْمَةِ، فاغْتَرُّوا بِالمُهْلَةِ واشْتَغَلُوا بِالتَّنَعُّمِ واتِّباعِ الشَّهَواتِ وطاعَةِ الشَّيْطانِ عَنْ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ ﴿حَتّى جاءَهُمُ الحَقُّ﴾ وهو القُرْآنُ ﴿ورَسُولٌ مُبِينٌ﴾ بَيَّنَ الرِّسالَةَ وأوْضَحَها بِما مَعَهُ مِنَ الآياتِ والبَيِّناتِ، فَكَذَّبُوا بِهِ وسَمَّوْهُ ساحِرًا، وما جاءَ بِهِ سِحْرًا، وكَفَرُوا بِهِ، ووَجْهُ النَّظْمِ أنَّهم لَمّا عَوَّلُوا عَلى تَقْلِيدِ الآباءِ ولَمْ يَتَفَكَّرُوا في الحُجَّةِ اغْتَرُّوا بِطُولِ الإمْهالِ وإمْتاعِ اللَّهِ إيّاهم بِنَعِيمِ الدُّنْيا، فَأعْرَضُوا عَنِ الحَقِّ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: إنْ قِيلَ: ما وجْهُ قِراءَةِ مَن قَرَأ ”مَتَّعْتَ“ بِفَتْحِ التّاءِ ؟ قُلْنا: كَأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ اعْتَرَضَ عَلى ذاتِهِ في قَوْلِهِ ﴿وجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً في عَقِبِهِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ فَقالَ: بَلْ مَتَّعْتُهم بِما مَتَّعْتُهم بِهِ مِن طُولِ العُمُرِ والسَّعَةِ في الرِّزْقِ حَتّى شَغَلَهم ذَلِكَ عَنْ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ، وأرادَ بِذَلِكَ المُبالَغَةَ في تَعْيِيرِهِمْ؛ لِأنَّهُ إذا مَتَّعَهم بِزِيادَةِ النِّعَمِ وجَبَ عَلَيْهِمْ أنْ يَجْعَلُوا ذَلِكَ سَبَبًا في زِيادَةِ الشُّكْرِ والثَّباتِ عَلى التَّوْحِيدِ، لا أنْ يُشْرِكُوا بِهِ ويَجْعَلُوا لَهُ أنْدادًا، فَمِثالُهُ: أنْ يَشْكُوَ الرَّجُلُ إساءَةَ مَن أحْسَنَ إلَيْهِ ثُمَّ يُقْبِلُ عَلى نَفْسِهِ، فَيَقُولُ: أنْتَ السَّبَبُ في ذَلِكَ بِمَعْرُوفِكَ وإحْسانِكَ إلَيْهِ، وغَرَضُهُ بِهَذا الكَلامِ تَوْبِيخُ المُسِيءِ، لا تَقْبِيحُ فِعْلِ نَفْسِهِ.