Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 43:15-19
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُرادُ مِن قَوْلِهِ ﴿أوَمَن يُنَشَّأُ في الحِلْيَةِ﴾ التَّنْبِيهُ عَلى نُقْصانِها، وهو أنَّ الَّذِي يُرَبّى في الحِلْيَةِ يَكُونُ ناقِصَ الذّاتِ، لِأنَّهُ لَوْلا نُقْصانٌ في ذاتِها لَما احْتاجَتْ إلى تَزْيِينِ نَفْسِها بِالحِلْيَةِ، ثُمَّ بَيَّنَ نُقْصانَ حالِها بِطَرِيقٍ آخَرَ، وهو قَوْلُهُ ﴿وهُوَ في الخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ يَعْنِي أنَّها إذا احْتاجَتِ المُخاصَمَةَ والمُنازَعَةَ عَجَزَتْ وكانَتْ غَيْرَ مُبِينٍ، وذَلِكَ لِضَعْفِ لِسانِها وقِلَّةِ عَقْلِها وبَلادَةِ طَبْعِها، ويُقالُ: قَلَّما تَكَلَّمَتِ امْرَأةٌ فَأرادَتْ أنْ تَتَكَلَّمَ بِحُجَّتِها إلّا تَكَلَّمَتْ بِما كانَ حُجَّةً عَلَيْها، فَهَذِهِ الوُجُوهُ دالَّةٌ عَلى كَمالِ نَقْصِها، فَكَيْفَ يَجُوزُ إضافَتُهَنَّ بِالوَلَدِيَّةِ إلَيْهِ !
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ التَّحَلِّيَ مُباحٌ لِلنِّساءِ، وأنَّهُ حَرامٌ لِلرِّجالِ، لِأنَّهُ تَعالى جَعَلَ ذَلِكَ مِنَ المَعايِبِ ومُوجِباتِ النُّقْصانِ، وإقْدامُ الرَّجُلِ عَلَيْهِ يَكُونُ إلْقاءً لِنَفْسِهِ في الذُّلِّ، وذَلِكَ حَرامٌ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: «لَيْسَ لِلْمُؤْمِنِ أنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ» وإنَّما زِينَةُ الرَّجُلِ الصَّبْرُ عَلى طاعَةِ اللَّهِ، والتَّزَيُّنُ بِزِينَةِ التَّقْوى، قالَ الشّافِعِيُّ:
تَدَرَّعْتُ يَوْمًا لِلْقُنُوعِ حَصِينَةً ∗∗∗ أصُونُ بِها عِرْضِي وأجْعَلُها ذُخْرا
ولَمْ أحْذَرِ الدَّهْرَ الخَئُونَ وإنَّما ∗∗∗ قُصاراهُ أنْ يَرْمِي بِيَ المَوْتَ والفَقْرا