Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 42:20-26
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: يَجِبُ عَلى اللَّهِ تَعالى عَقْلًا قَبُولُ التَّوْبَةِ، وقالَ أصْحابُنا: لا يَجِبُ عَلى اللَّهِ شَيْءٌ، وكُلُّ ما يَفْعَلُهُ فَإنَّما يَفْعَلُهُ بِالكَرَمِ والفَضْلِ، واحْتَجُّوا عَلى صِحَّةِ مَذْهَبِهِمْ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَقالُوا: إنَّهُ تَعالى تَمَدَّحَ بِقَبُولِ التَّوْبَةِ، ولَوْ كانَ ذَلِكَ القَبُولُ واجِبًا لَما حَصَلَ التَّمَدُّحُ العَظِيمُ، ألا تَرى أنَّ مَن مَدَحَ نَفْسَهُ بِأنْ لا يَضْرِبَ النّاسَ ظُلْمًا ولا يَقْتُلَهم غَضَبًا، كانَ ذَلِكَ مَدْحًا قَلِيلًا، أمّا إذا قالَ: إنِّي أُحْسِنُ إلَيْهِمْ مَعَ أنَّ ذَلِكَ لا يَجِبُ عَلَيَّ - كانَ ذَلِكَ مَدْحًا وثَناءً.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَعْفُو عَنِ السَّيِّئاتِ﴾ إمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ أنْ يَعْفُوَ عَنِ الكَبائِرِ بَعْدَ الإتْيانِ بِالتَّوْبَةِ، أوِ المُرادُ مِنهُ أنَّهُ يَعْفُو عَنِ الصَّغائِرِ، أوِ المُرادُ مِنهُ أنَّهُ يَعْفُو عَنِ الكَبائِرِ قَبْلَ التَّوْبَةِ، والأوَّلُ باطِلٌ، وإلّا لَصارَ قَوْلُهُ ﴿ويَعْفُو عَنِ السَّيِّئاتِ﴾ عَيْنَ قَوْلِهِ ﴿وهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ﴾ والتَّكْرارُ خِلافُ الأصْلِ، والثّانِي أيْضًا باطِلٌ؛ لِأنَّ ذَلِكَ واجِبٌ، وأداءُ الواجِبِ لا يُتَمَدَّحُ بِهِ، فَبَقِيَ القِسْمُ الثّالِثُ، فَيَكُونُ المَعْنى: أنَّهُ تارَةً يَعْفُو بِواسِطَةِ قَبُولِ التَّوْبَةِ، وتارَةً يَعْفُو ابْتِداءً مِن غَيْرِ تَوْبَةٍ.
* * *