cahtCréer un compte gratuit

Tafsir

Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 42:13-19

Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يُحاجُّونَ في اللَّهِ﴾ أيْ: يُخاصِمُونَ في دِينِهِ ﴿مِن بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ﴾ أيْ مِن بَعْدِ ما اسْتَجابَ النّاسُ لِذَلِكَ الدِّينِ ﴿حُجَّتُهم داحِضَةٌ﴾ أيْ باطِلَةٌ، وتِلْكَ المُخاصَمَةُ هي أنَّ اليَهُودَ، قالُوا: ألَسْتُمْ تَقُولُونَ: إنَّ الأخْذَ بِالمُتَّفَقِ أوْلى مِنَ الأخْذِ بِالمُخْتَلَفِ ؟ فَنُبُوَّةُ مُوسى وحَقِّيَّةُ التَّوْراةِ مَعْلُومَةٌ بِالِاتِّفاقِ، ونُبُوَّةُ مُحَمَّدٍ لَيْسَتْ مُتَّفَقًا عَلَيْها، فَإذا بَنَيْتُمْ كَلامَكم في هَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الأخْذَ بِالمُتَّفَقِ أوْلى - وجَبَ أنْ يَكُونَ الأخْذُ بِاليَهُودِيَّةِ أوْلى، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ هَذِهِ الحُجَّةَ داحِضَةٌ، أيْ باطِلَةٌ فاسِدَةٌ، وذَلِكَ لِأنَّ اليَهُودَ أطْبَقُوا عَلى أنَّهُ إنَّما وجَبَ الإيمانُ بِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِأجْلِ ظُهُورِ المُعْجِزاتِ عَلى وفْقِ قَوْلِهِ، وهَهُنا ظَهَرَتِ المُعْجِزاتُ عَلى وفْقِ قَوْلِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، واليَهُودُ شاهَدُوا تِلْكَ المُعْجِزاتِ، فَإنْ كانَ ظُهُورُ المُعْجِزَةِ يَدُلُّ عَلى الصِّدْقِ، فَهَهُنا يَجِبُ الِاعْتِرافُ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وإنْ كانَ لا يَدُلُّ عَلى الصِّدْقِ وجَبَ في حَقِّ مُوسى أنْ لا يُقِرُّوا بِنُبُوَّتِهِ. وأمّا الإقْرارُ بِنُبُوَّةِ مُوسى والإصْرارُ عَلى إنْكارِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ مَعَ اسْتِوائِهِما في ظُهُورِ المُعْجِزَةِ يَكُونُ مُتَناقِضًا. ولَمّا قَرَّرَ اللَّهُ هَذِهِ الدَّلائِلَ خَوَّفَ المُنْكِرِينَ بِعَذابِ القِيامَةِ، فَقالَ: ﴿اللَّهُ الَّذِي أنْزَلَ الكِتابَ بِالحَقِّ والمِيزانَ وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى أنْزَلَ الكِتابَ المُشْتَمِلَ عَلى أنْواعِ الدَّلائِلِ والبَيِّناتِ، وأنْزَلَ المِيزانَ وهو الفَصْلُ الَّذِي هو القِسْطاسُ المُسْتَقِيمُ، وأنَّهم لا يَعْلَمُونَ أنَّ القِيامَةَ مَتى تُفاجِئُهم. ومَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، وجَبَ عَلى العاقِلِ أنْ يَجِدَّ ويَجْتَهِدَ في النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ، ويَتْرُكَ طَرِيقَةَ أهْلِ الجَهْلِ والتَّقْلِيدِ، ولَمّا كانَ الرَّسُولُ يُهَدِّدُهم بِنُزُولِ القِيامَةِ، وأكْثَرَ في ذَلِكَ، وأنَّهم ما رَأوْا مِنهُ أثَرًا قالُوا عَلى سَبِيلِ السُّخْرِيَةِ: فَمَتى تَقُومُ القِيامَةُ، ولَيْتَها قامَتْ حَتّى يَظْهَرَ لَنا أنَّ الحَقَّ ما نَحْنُ عَلَيْهِ أوِ الَّذِي عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ وأصْحابُهُ، فَلِدَفْعِ هَذِهِ الشُّبْهَةِ قالَ تَعالى: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِها الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها والَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنها﴾ والمَعْنى ظاهِرٌ، وإنَّما يُشْفِقُونَ ويَخافُونَ لِعِلْمِهِمْ أنَّ عِنْدَها تَمْتَنِعُ التَّوْبَةُ، وأمّا مُنْكِرُ البَعْثِ فَلِأنْ لا يَحْصُلَ لَهُ هَذا الخَوْفُ.

Lire dans la bibliothèque caht

caht retrouve la source exacte d'un verset, d'un hadith ou d'un passage des savants. Gratuit, sans publicité.