Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 42:7-12
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وأمّا الرُّؤْيَةُ فالدَّلِيلُ عَلى أنَّها حالَةٌ مُغايِرَةٌ لِتَأثُّرِ الحَدَقَةِ، فَذَلِكَ لِأنَّ نُقْطَةَ النّاظِرِ جِسْمٌ صَغِيرٌ فَيَسْتَحِيلُ انْطِباعُ الصُّورَةِ العَظِيمَةِ فِيهِ، فَنَقُولُ: الصُّورَةُ المُنْطَبِعَةُ صَغِيرَةٌ، والصُّورَةُ المَرْئِيَّةُ في نَفْسِ العالَمِ عَظِيمَةٌ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الرُّؤْيَةَ مُغايِرَةٌ لِنَفْسِ ذَلِكَ الِانْطِباعِ، وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: لا يَلْزَمُ مِنِ امْتِناعِ التَّأثُّرِ في حَقِّ اللَّهِ امْتِناعُ السَّمْعِ والبَصَرِ في حَقِّهِ، فَإنْ قالُوا: هَبْ أنَّ السَّمْعَ والبَصَرَ حالَتانِ مُغايِرَتانِ لِتَأثُّرِ الحاسَّةِ إلّا أنَّ حُصُولَهُما مَشْرُوطٌ بِحُصُولِ ذَلِكَ التَّأثُّرِ، فَلَمّا كانَ حُصُولُ ذَلِكَ التَّأثُّرِ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى مُمْتَنِعًا كانَ حُصُولُ السَّمْعِ والبَصَرِ في حَقِّ اللَّهِ مُمْتَنِعًا، فَنَقُولُ: ظاهِرُ قَوْلِهِ ﴿وهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ سَمِيعًا بَصِيرًا، فَلَمْ يَجُزْ لَنا أنْ نَعْدِلَ عَنْ هَذا الظّاهِرِ إلّا إذا قامَ الدَّلِيلُ عَلى أنَّ الحاسَّةَ المُسَمّاةَ بِالسَّمْعِ والبَصَرِ مَشْرُوطَةٌ بِحُصُولِ التَّأثُّرِ، والتَّأثُّرُ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى مُمْتَنِعٌ، فَكانَ حُصُولُ الحاسَّةِ المُسَمّاةِ بِالسَّمْعِ والبَصَرِ مُمْتَنِعًا، وأنْتُمُ المُدَّعُونَ لِهَذا الِاشْتِراطِ فَعَلَيْكُمُ الدَّلالَةُ عَلى حُصُولِهِ، وإنَّما نَحْنُ مُتَمَسِّكُونَ بِظاهِرِ اللَّفْظِ إلى أنْ تَذْكُرُوا ما يُوجِبُ العُدُولَ عَنْهُ، فَإنْ قالَ قائِلٌ: قَوْلُهُ ﴿وهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، فَما مَعْنى هَذا الحَصْرِ، مَعَ أنَّ العِبادَ أيْضًا مَوْصُوفُونَ بِكَوْنِهِمْ سَمِيعِينَ بَصِيرِينَ ؟ فَنَقُولُ: السَّمِيعُ والبَصِيرُ لَفْظانِ مُشْعِرانِ بِحُصُولِ هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ عَلى سَبِيلِ الكَمالِ، والكَمالُ في كُلِّ الصِّفاتِ لَيْسَ إلّا لِلَّهِ، فَهَذا هو المُرادُ مِن هَذا الحَصْرِ.