Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 42:7-12
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
والمُرادُ مِنهُ المُبالَغَةُ، فَإنَّهُ إذا كانَ ذَلِكَ الحُكْمُ مَنفِيًّا عَمَّنْ كانَ مُشابِهًا بِسَبَبِ كَوْنِهِ مُشابِهًا لَهُ، فَلِأنْ يَكُونَ مُنْتَفِيًا عَنْهُ كانَ ذَلِكَ أوْلى، ونَظِيرُهُ قَوْلُهم: سَلامٌ عَلى المَجْلِسِ العالِي، والمَقْصُودُ: أنَّ سَلامَ اللَّهِ إذا كانَ واقِعًا عَلى مَجْلِسِهِ ومَوْضِعِهِ فَلِأنْ يَكُونَ واقِعًا عَلَيْهِ كانَ ذَلِكَ أوْلى، فَكَذا هَهُنا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ والمَعْنى: لَيْسَ كَهو شَيْءٌ؛ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ مِنَ الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْناهُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ: فَلَمْ يَكُنْ هَذا اللَّفْظُ ساقِطًا عَدِيمَ الأثَرِ، بَلْ كانَ مُفِيدًا لِلْمُبالَغَةِ مِنَ الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْناهُ، وزَعَمَ جَهْمُ بْنُ صَفْوانَ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الآيَةِ بَيانُ أنَّهُ تَعالى لَيْسَ مُسَمًّى بِاسْمِ الشَّيْءِ، قالَ: لِأنَّ كُلَّ شَيْءٍ فَإنَّهُ يَكُونُ مِثْلًا لِمِثْلِ نَفْسِهِ، فَقَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ مَعْناهُ لَيْسَ مِثْلَ مِثْلِهِ شَيْءٌ، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ لا يَكُونَ هو مُسَمًّى بِاسْمِ الشَّيْءِ، وعِنْدِي فِيهِ طَرِيقَةٌ أُخْرى، وهي أنَّ المَقْصُودَ مِن ذِكْرِ الجَمْعِ بَيْنَ حَرْفَيِ التَّشْبِيهِ الدَّلِيلُ الدّالُّ عَلى كَوْنِهِ مُنَزَّهًا عَنِ المِثْلِ، وتَقْرِيرُهُ أنْ يُقالَ: لَوْ كانَ لَهُ مِثْلٌ لَكانَ هو مِثْلَ نَفْسِهِ، وهَذا مُحالٌ، فَإثْباتُ المِثْلِ لَهُ مُحالٌ، أمّا بَيانُ أنَّهُ لَوْ كانَ لَهُ مِثْلٌ لَكانَ هو مِثْلَ نَفْسِهِ، فالأمْرُ فِيهِ ظاهِرٌ، وأمّا بَيانُ أنَّ هَذا مُحالٌ فَلِأنَّهُ لَوْ كانَ مِثْلَ مِثْلِ نَفْسِهِ لَكانَ مُساوِيًا لِمِثْلِهِ في تِلْكَ الماهِيَّةِ ومُبايِنًا لَهُ في نَفْسِهِ، وما بِهِ المُشارَكَةُ - غَيْرُ ما بِهِ المُبايَنَةُ. فَتَكُونُ ذاتُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما مُرَكَّبًا، وكُلُّ مُرَكَّبٍ مُمْكِنٌ، فَثَبَتَ أنَّهُ لَوْ حَصَلَ لِواجِبِ الوُجُودِ مِثْلٌ؛ لَما كانَ هو في نَفْسِهِ واجِبَ الوُجُودِ، إذا عَرَفْتَ هَذا، فَقَوْلُهُ ”لَيْسَ مِثْلَ مِثْلِهِ شَيْءٌ“ - إشارَةٌ إلى أنَّهُ لَوْ صَدَقَ عَلَيْهِ أنَّهُ مِثْلُ مِثْلِ نَفْسِهِ لَما كانَ هو شَيْئًا؛ بِناءً عَلى ما بَيَّنّا أنَّهُ لَوْ حَصَلَ لِواجِبِ الوُجُودِ مِثْلٌ لَما كانَ واجِبَ الوُجُودِ، فَهَذا ما يَحْتَمِلُهُ اللَّفْظُ.