Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 42:7-12
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
ثُمَّ قالَ: ﴿فاطِرُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ قُرِئَ بِالرَّفْعِ والجَرِّ، فالرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ ”ذَلِكم“، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والجَرُّ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ الكَلامُ هَكَذا: وما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إلى اللَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ، وقَوْلُهُ ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي﴾ اعْتِراضٌ وقَعَ بَيْنَ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ، ﴿جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكُمْ﴾ مِن جِنْسِكم مِنَ النّاسِ ﴿أزْواجًا ومِنَ الأنْعامِ أزْواجًا﴾ أيْ خَلَقَ مِنَ الأنْعامِ أزْواجًا، ومَعْناهُ: وخَلَقَ أيْضًا لِلْأنْعامِ مِن أنْفُسِها أزْواجًا ﴿يَذْرَؤُكُمْ﴾ أيْ يُكَثِّرُكم، يُقالُ: ذَرَأ اللَّهُ الخَلْقَ، أيْ كَثَّرَهم، وقَوْلُهُ ﴿فِيهِ﴾ أيْ في هَذا التَّدْبِيرِ، وهو التَّزْوِيجُ، وهو أنْ جَعَلَ النّاسَ والأنْعامَ أزْواجًا حَتّى كانَ بَيْنَ ذُكُورِهِمْ وإناثِهِمُ التَّوالُدُ والتَّناسُلُ، والضَّمِيرُ في ﴿يَذْرَؤُكُمْ﴾ يَرْجِعُ إلى المُخاطَبِينَ، إلّا أنَّهُ غَلَّبَ فِيهِ جانِبَ النّاسِ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ غَلَّبَ فِيهِ جانِبَ العُقَلاءِ عَلى غَيْرِ العُقَلاءِ.
الثّانِي: أنَّهُ غَلَّبَ فِيهِ جانِبَ المُخاطَبِينَ عَلى الغائِبِينَ، فَإنْ قِيلَ: ما مَعْنى ”يَذْرَؤُكم“ في هَذا التَّدْبِيرِ، ولِمَ لَمْ يَقُلْ: يَذْرَؤُكم بِهِ ؟ قُلْنا: جُعِلَ هَذا التَّدْبِيرُ كالمَنبَعِ والمَعْدِنِ لِهَذا التَّكْثِيرِ، ألا تَرى أنَّهُ يُقالُ لِلْحَيَوانِ في خَلْقِ الأزْواجِ تَكْثِيرٌ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَكم في القِصاصِ حَياةٌ﴾ [البَقَرَةِ: ١٧٩] .
* * *