Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 41:43-46
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
إنَّ هَذا الكَلامَ أرْسَلْتُهُ إلَيْكم بِلُغَتِكم لا بِلُغَةٍ أجْنَبِيَّةٍ عَنْكم، فَلا يُمْكِنُكم أنْ تَقُولُوا إنَّ قُلُوبَنا في أكِنَّةٍ مِنهُ بِسَبَبِ جَهْلِنا بِهَذِهِ اللُّغَةِ، فَبَقِيَ أنْ يُقالَ إنَّ كُلَّ مَن آتاهُ اللَّهُ طَبْعًا مائِلًا إلى الحَقِّ، وقَلْبًا مائِلًا إلى الصِّدْقِ، وهِمَّةً تَدْعُوهُ إلى بَذْلِ الجُهْدِ في طَلَبِ الدِّينِ، فَإنَّ هَذا القُرْآنَ يَكُونُ في حَقِّهِ هُدًى وشِفاءً.
أمّا كَوْنُهُ هُدًى فَلِأنَّهُ دَلِيلٌ عَلى الخَيْراتِ ويُرْشِدُ إلى كُلِّ السَّعاداتِ، وأمّا كَوْنُهُ ”شِفاءً“ فَإنَّهُ إذا أمْكَنَهُ الِاهْتِداءُ فَقَدْ حَصَلَ الهُدى، فَذَلِكَ الهُدى شِفاءٌ لَهُ مِن مَرَضِ الكُفْرِ والجَهْلِ، وأمّا مَن كانَ غارِقًا في بَحْرِ الخِذْلانِ، وتائِهًا في مَفاوِزِ الحِرْمانِ، ومَشْغُوفًا بِمُتابَعَةِ الشَّيْطانِ، كانَ هَذا القُرْآنُ في آذانِهِ وقْرًا، كَما قالَ: ﴿وفِي آذانِنا وقْرٌ﴾ [فصلت: ٥] وكانَ القُرْآنُ عَلَيْهِمْ عَمًى كَما قالَ: ﴿ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ﴾ [فصلت: ٥] ﴿أُولَئِكَ يُنادَوْنَ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ بِسَبَبِ ذَلِكَ الحِجابِ الَّذِي حالَ بَيْنَ الِانْتِفاعِ بِبَيانِ القُرْآنِ، وكُلُّ مَن أنْصَفَ ولَمْ يَتَعَسَّفْ عَلِمَ أنّا إذا فَسَّرْنا هَذِهِ الآيَةَ عَلى الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْناهُ صارَتْ هَذِهِ السُّورَةُ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها كَلامًا واحِدًا مُنْتَظِمًا مَسُوقًا نَحْوَ غَرَضٍ واحِدٍ.