Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 41:25-29
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ تَعالى يُرِيدُ الكُفْرَ مِنَ الكافِرِ، فَقالُوا إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أنَّهُ قَيَّضَ لَهم أُولَئِكَ القُرَناءَ، وكانَ عالِمًا بِأنَّهُ مَتى قَيَّضَ لَهم أُولَئِكَ القُرَناءَ فَإنْ يُزَيِّنُوا الباطِلَ لَهم، وكُلُّ مَن فَعَلَ فِعْلًا وعَلِمَ أنَّ ذَلِكَ الفِعْلَ يُفْضِي إلى أثَرٍ لا مَحالَةَ، فَإنَّ فاعِلَ ذَلِكَ الفِعْلِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مُرِيدًا لِذَلِكَ الأثَرِ فَثَبَتَ أنَّهُ تَعالى لَمّا قَيَّضَ لَهم قُرَناءَ فَقَدْ أرادَ مِنهم ذَلِكَ الكُفْرَ، أجابَ الجُبّائِيُّ عَنْهُ بِأنْ قالَ: لَوْ أرادَ المَعاصِيَ لَكانُوا بِفِعْلِها مُطِيعِينَ إذِ الفاعِلُ لِما أرادَهُ مِنهُ غَيْرُهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُطِيعًا لَهُ، وبِأنَّ قَوْلَهُ
صفحة ١٠٣
﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يُرِدْ مِنهم إلّا العِبادَةَ، فَثَبَتَ بِهَذا أنَّهُ تَعالى لَمْ يُرِدْ مِنهُمُ المَعاصِيَ، وأمّا هَذِهِ الآيَةُ فَنَقُولُ: إنَّهُ تَعالى لَمْ يَقُلْ وقَيَّضْنا لَهم قُرَناءَ لِيُزَيِّنُوا لَهم، وإنَّما قالَ: ﴿فَزَيَّنُوا لَهُمْ﴾ فَهو تَعالى قَيَّضَ القُرَناءَ لَهم بِمَعْنى أنَّهُ تَعالى أخْرَجَ كُلَّ أحَدٍ إلى آخَرَ مِن جِنْسِهِ، فَقَيَّضَ أحَدَ الزَّوْجَيْنِ لِلْآخَرِ والغَنِيَّ لِلْفَقِيرِ، والفَقِيرَ لِلْغَنِيِّ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ بَعْضَهم يُزَيِّنُ المَعاصِيَ لِلْبَعْضِ.