Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 41:12
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
واعْلَمْ أنَّ هَذا عُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ، وإنَّما جازَ العُدُولُ عَنِ الظّاهِرِ إذا قامَ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لا يُمْكِنُ إجْراؤُهُ عَلى ظاهِرِهِ، وقَدْ بَيَّنّا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿اِئْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾ إنَّما حَصَلَ قَبْلَ وُجُودِهِما، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ امْتَنَعَ حَمْلُ قَوْلِهِ: ﴿اِئْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾ عَلى الأمْرِ والتَّكْلِيفِ، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى ما ذَكَرْنا.
واعْلَمْ أنَّ إثْباتَ الأمْرِ والتَّكْلِيفِ فِيهِما مَشْرُوطٌ بِحُصُولِ المَأْمُورِ فِيهِما، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى أسْكَنَ هَذِهِ السَّماواتِ المَلائِكَةَ، أوْ أنَّهُ تَعالى أمَرَهم بِأشْياءَ ونَهاهم عَنْ أشْياءَ، ولَيْسَ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ إنَّما خَلَقَ المَلائِكَةَ مَعَ السَّماواتِ، أوْ أنَّهُ تَعالى خَلَقَهم قَبْلَ السَّماواتِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أسْكَنَهم فِيها، وأيْضًا لَيْسَ في الآيَةِ بَيانُ الشَّرائِعِ الَّتِي أمَرَ المَلائِكَةَ بِها، وهَذِهِ الأسْرارُ لا تَلِيقُ بِعُقُولِ البَشَرِ، بَلْ هي أعْلى مِن مَصاعِدِ أفْهامِهِمْ ومَرامِي أوْهامِهِمْ
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وزَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ﴾ وهي النَّيِّراتُ الَّتِي خَلَقَها في السَّماواتِ، وخَصَّ كُلَّ واحِدٍ بِضَوْءٍ مُعَيَّنٍ، وسِرٍّ مُعَيَّنٍ، وطَبِيعَةٍ مُعَيَّنَةٍ، لا يَعْرِفُها إلّا اللَّهُ، ثُمَّ قالَ: (وحِفْظًا) يَعْنِي وحَفِظْناها حِفْظًا، يَعْنِي مِنَ الشَّياطِينِ الَّذِينَ يَسْتَرِقُونَ السَّمْعَ، فَأعَدَّ لِكُلِّ شَيْطانٍ نَجْمًا يَرْمِيهِ بِهِ ولا يُخْطِئُهُ،
صفحة ٩٥