Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 41:12
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
هَذا ما نَقَلَهُ الواحِدِيُّ وهو عِنْدِي ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ تَقْدِيرَ الكَلامِ ثُمَّ كانَ قَدِ اسْتَوى إلى السَّماءِ وكانَ قَدْ أوْحى، وهَذا جَمْعٌ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ لِأنَّ كَلِمَةَ ثُمَّ تَقْتَضِي التَّأْخِيرَ وكَلِمَةَ كانَ تَقْتَضِي التَّقْدِيمَ فالجَمْعُ بَيْنَهُما يُفِيدُ التَّناقُضَ، ونَظِيرُهُ قَوْلُ القائِلِ: ضَرَبْتُ اليَوْمَ زَيْدًا ثُمَّ ضَرَبْتُ عَمْرًا بِالأمْسِ، فَكَما أنَّ هَذا باطِلٌ فَكَذا ما ذَكَرْتُمُوهُ، وإنَّما يَجُوزُ تَأْوِيلُ كَلامِ اللَّهِ بِما لا يُؤَدِّي إلى وُقُوعِ التَّناقُضِ والرَّكاكَةِ فِيهِ.
والمُخْتارُ عِنْدِي أنْ يُقالَ: خَلْقُ السَّماواتِ مُقَدَّمٌ عَلى خَلْقِ الأرْضِ، بَقِيَ أنْ يُقالَ: كَيْفَ تَأْوِيلُ هَذِهِ الآيَةِ ؟ فَنَقُولُ: الخَلْقُ لَيْسَ عِبارَةً عَنِ التَّكْوِينِ والإيجادِ، بَلْ هو عِبارَةٌ عَنِ التَّقْدِيرِ، والتَّقْدِيرُ حَقُّ اللَّهِ تَعالى هو حُكْمُهُ بِأنَّهُ سَيُوجِدُهُ وقَضاؤُهُ بِذَلِكَ، وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ ﴿خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ﴾ مَعْناهُ أنَّهُ قَضى بِحُدُوثِهِ في يَوْمَيْنِ، وقَضاءُ اللَّهِ بِأنَّهُ سَيُحْدِثُ كَذا في مُدَّةِ كَذا، لا يَقْتَضِي حُدُوثَ ذَلِكَ الشَّيْءِ في الحالِ، فَقَضاءُ اللَّهِ تَعالى بِحُدُوثِ الأرْضِ في يَوْمَيْنِ قَدْ تَقَدَّمَ عَلى إحْداثِ السَّماءِ، ولا يَلْزَمُ مِنهُ تَقَدُّمُ إحْداثِ الأرْضِ عَلى إحْداثِ السَّماءِ، وحِينَئِذٍ يَزُولُ السُّؤالُ، فَهَذا ما وصَلْتُ إلَيْهِ في هَذِهِ المَوْضِعِ المُشْكِلِ.
* * *