Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 41:9-11
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وأمّا الَّذِي جَلَسَ في الظُّلْمَةِ فَإنَّهُ يَرى ذَلِكَ الَّذِي كانَ جالِسًا في الضَّوْءِ، ويَرى ذَلِكَ الهَواءَ مُضِيئًا، ولَوْ كانَتِ الظُّلْمَةُ صِفَةً قائِمَةً بِالهَواءِ لَما اخْتَلَفَتِ الأحْوالُ بِحَسَبِ اخْتِلافِ أحْوالِ النّاظِرِينَ، فَثَبَتَ أنَّ الظُّلْمَةَ عِبارَةٌ عَنْ عَدَمِ النُّورِ، ثُمَّ لَمّا رَكَّبَها وجَعَلَها سَماواتٍ وكَواكِبَ وشَمْسًا وقَمَرًا، وأحْدَثَ صِفَةَ الضَّوْءِ فِيها فَحِينَئِذٍ صارَتْ مُسْتَنِيرَةً، فَثَبَتَ أنَّ تِلْكَ الأجْزاءَ حِينَ قَصَدَ اللَّهُ تَعالى أنْ يَخْلُقَ مِنها السَّماواتِ والشَّمْسَ
صفحة ٩١
والقَمَرَ كانَتْ مُظْلِمَةً، فَصَحَّ تَسْمِيَتُها بِالدُّخانِ؛ لِأنَّهُ لا مَعْنى لِلدُّخانِ إلّا أجْزاءً مُتَفَرِّقَةً غَيْرَ مُتَواصِلَةٍ عَدِيمَةَ النُّورِ، فَهَذا ما خَطَرَ بِالبالِ في تَفْسِيرِ الدُّخانِ، واللَّهُ أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الحالِ.
* * *
البَحْثُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ وهي دُخانٌ﴾ مُشْعِرٌ بِأنَّ تَخْلِيقَ السَّماءِ حَصَلَ بَعْدَ تَخْلِيقِ الأرْضِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها﴾ [النازعات: ٣٠] مُشْعِرٌ بِأنَّ تَخْلِيقَ الأرْضِ حَصَلَ بَعْدَ تَخْلِيقِ السَّماءِ، وذَلِكَ يُوجِبُ التَّناقُضَ، واخْتَلَفَ العُلَماءُ في هَذِهِ المَسْألَةِ، والجَوابُ المَشْهُورُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَعالى خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ أوَّلًا ثُمَّ خَلَقَ بَعْدَها السَّماءَ، ثُمَّ بَعْدَ خَلْقِ السَّماءِ دَحا الأرْضَ، وبِهَذا الطَّرِيقِ يَزُولُ التَّناقُضُ.