Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 40:60-63
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وثالِثُها: أنَّ الرَّجُلَ وإنْ كانَ عارِفًا بِمَواقِعِ هَذِهِ النِّعَمِ إلّا أنَّهُ يَكُونُ حَرِيصًا عَلى الدُّنْيا مُحِبًّا لِلْمالِ والجاهِ، فَإذا فاتَهُ المالُ الكَثِيرُ والجاهُ العَرِيضُ وقَعَ في كُفْرانِ هَذِهِ النِّعَمِ العَظِيمَةِ، ولَمّا كانَ أكْثَرُ الخَلْقِ هالِكِينَ في أحَدِ هَذِهِ الأوْدِيَةِ الثَّلاثَةِ الَّتِي ذَكَرْناها، لا جَرَمَ قالَ تَعالى: ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقَلِيلٌ مِن عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣] وقَوْلُ إبْلِيسَ ﴿ولا تَجِدُ أكْثَرَهم شاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٧] ولَمّا بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى بِتِلْكَ الدَّلائِلِ المَذْكُورَةِ وُجُودَ الإلَهِ القادِرِ الرَّحِيمِ الحَكِيمِ قالَ: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ ذَلِكُمُ المَعْلُومُ المُمَيَّزُ بِالأفْعالِ الخاصَّةِ الَّتِي لا يُشارِكُهُ فِيها أحَدٌ و﴿اللَّهُ رَبُّكم خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ أخْبارٌ مُتَرادِفَةٌ أيْ هو الجامِعُ لِهَذِهِ الأوْصافِ مِنَ الإلَهِيَّةِ والرُّبُوبِيَّةِ وخَلْقِ كُلِّ
صفحة ٧٣
شَيْءٍ وأنَّهُ لا ثانِيَ لَهُ ﴿فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾ والمُرادُ فَأنّى تُصْرَفُونَ ولِمَ تَعْدِلُونَ عَنْ هَذِهِ الدَّلائِلِ وتُكَذِّبُونَ بِها، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كانُوا بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [غافر: ٦٣] يَعْنِي أنَّ كُلَّ مَن جَحَدَ بِآياتِ اللَّهِ ولَمْ يَتَأمَّلْها ولَمْ يَكُنْ فِيهِ هِمَّةٌ لِطَلَبِ الحَقِّ وخَوْفِ العاقِبَةِ أُفِكَ كَما أُفِكُوا.