Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 40:60-63
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وأجابَ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ الأوَّلُ: أنَّ فِيهِ الفَزَعَ والِانْقِطاعَ إلى اللَّهِ والثّانِي: أنَّ هَذا أيْضًا وارِدٌ عَلى الكُلِّ؛ لِأنَّهُ إنْ عَلِمَ أنَّهُ يَفْعَلُهُ فَلا بُدَّ وأنْ يَفْعَلَهُ، فَلا فائِدَةَ في الدُّعاءِ، وإنْ عَلِمَ أنَّهُ لا يَفْعَلُهُ فَإنَّهُ البَتَّةَ لا يَفْعَلُهُ، فَلا فائِدَةَ في الدُّعاءِ، وكُلُّ ما يَقُولُونَهُ هَهُنا فَهو جَوابُنا، هَذا تَمامُ ما ذَكَرَهُ، وعِنْدِي فِيهِ وجْهٌ آخَرُ وهو أنَّهُ قالَ: ﴿ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ فَكُلُّ مَن دَعا اللَّهَ وفي قَلْبِهِ ذَرَّةٌ مِنَ الِاعْتِمادِ عَلى مالِهِ وجاهِهِ وأقارِبِهِ وأصْدِقائِهِ وجِدِّهِ واجْتِهادِهِ، فَهو في الحَقِيقَةِ ما دَعا اللَّهَ إلّا بِاللِّسانِ، أمّا بِالقَلْبِ فَإنَّهُ مُعَوِّلٌ في تَحْصِيلِ ذَلِكَ المَطْلُوبِ عَلى غَيْرِ اللَّهِ، فَهَذا الإنْسانُ ما دَعا رَبَّهُ في وقْتٍ، أمّا إذا دَعا في وقْتٍ لا يَبْقى في القَلْبِ التِفاتٌ إلى غَيْرِ اللَّهِ، فالظّاهِرُ أنَّهُ تَحْصُلُ الِاسْتِجابَةُ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَفِيهِ بِشارَةٌ كامِلَةٌ، وهي أنَّ انْقِطاعَ القَلْبِ بِالكُلِّيَّةِ عَمّا سِوى اللَّهِ لا يَحْصُلُ إلّا عِنْدَ القُرْبِ مِنَ المَوْتِ، فَإنَّ الإنْسانَ قاطِعٌ في ذَلِكَ الوَقْتِ بِأنَّهُ لا يَنْفَعُهُ شَيْءٌ سِوى فَضْلِ اللَّهِ تَعالى، فَعَلى القانُونِ الَّذِي ذَكَرْناهُ وجَبَ أنْ يَكُونَ الدُّعاءُ في ذَلِكَ الوَقْتِ مَقْبُولًا عِنْدَ اللَّهِ، ونَرْجُو مِن فَضْلِ اللَّهِ وإحْسانِهِ أنْ يُوَفِّقَنا لِلدُّعاءِ المَقْرُونِ بِالإخْلاصِ والتَّضَرُّعِ في ذَلِكَ الوَقْتِ، واعْلَمْ أنَّ الكَلامَ المُسْتَقْصى في الدُّعاءِ قَدْ سَبَقَ ذِكْرُهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ.