Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 40:43-44
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المُهِمِّ مَزِيدَ اهْتِمامٍ، وعَلى أُولَئِكَ الأقْوامِ فَرْطَ شَفَقَةٍ، وأمّا المَجِيءُ بِالواوِ العاطِفَةِ فَلِأنَّ الثّانِيَ يَقْرُبُ مِن أنْ يَكُونَ عَيْنَ الأوَّلِ؛ لِأنَّ الثّانِيَ بَيانٌ لِلْأوَّلِ والبَيانُ عَيْنُ المُبَيَّنِ، وأمّا الثّالِثُ فَلِأنَّهُ كَلامٌ مُبايِنٌ لِلْأوَّلِ والثّانِي فَحَسُنَ إيرادُ الواوِ العاطِفَةِ فِيهِ، ولَمّا ذَكَرَ هَذا المُؤْمِنُ أنَّهُ يَدْعُوهم إلى النَّجاةِ وهم يَدْعُونَهُ إلى النّارِ، فَسَّرَ ذَلِكَ بِأنَّهم يَدْعُونَهُ إلى الكُفْرِ بِاللَّهِ وإلى الشِّرْكِ بِهِ، أمّا الكُفْرُ بِاللَّهِ فَلِأنَّ الأكْثَرِينَ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ كانُوا يُنْكِرُونَ وُجُودَ الإلَهِ، ومِنهم مَن كانَ يُقِرُّ بِوُجُودِ اللَّهِ إلّا أنَّهُ كانَ يُثْبِتُ عِبادَةَ الأصْنامِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأُشْرِكَ بِهِ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ المُرادُ بِنَفْيِ العِلْمِ نَفْيُ المَعْلُومِ، كَأنَّهُ قالَ: وأُشْرِكُ بِهِ ما لَيْسَ بِإلَهٍ وما لَيْسَ بِإلَهٍ كَيْفَ يُعْقَلُ جَعْلُهُ شَرِيكًا لِلْإلَهِ؟ ولَمّا بَيَّنَ أنَّهم يَدْعُونَهُ إلى الكُفْرِ والشِّرْكِ بَيَّنَ أنَّهُ يَدْعُوهم إلى الإيمانِ بِالعَزِيزِ الغَفّارِ فَقَوْلُهُ: ﴿العَزِيزِ﴾ إشارَةٌ إلى كَوْنِهِ كامِلَ القُدْرَةِ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الإلَهَ هو الَّذِي يَكُونُ كامِلَ القُدْرَةِ، وأمّا فِرْعَوْنُ فَهو في غايَةِ العَجْزِ فَكَيْفَ يَكُونُ إلَهًا، وأمّا الأصْنامُ فَإنَّها أحْجارٌ مَنحُوتَةٌ فَكَيْفَ يُعْقَلُ القَوْلُ بِكَوْنِها آلِهَةً وقَوْلُهُ: ﴿الغَفّارِ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهُ لا يَجِبُ أنْ يَكُونُوا آيِسِينَ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ بِسَبَبِ إصْرارِهِمْ عَلى الكُفْرِ مُدَّةً مَدِيدَةً، فَإنَّ إلَهَ العالَمِ وإنْ كانَ عَزِيزًا لا يُغْلَبُ قادِرًا لا يُغالَبُ، لَكِنَّهُ غَفّارٌ يَغْفِرُ كُفْرَ سَبْعِينَ سَنَةً بِإيمانِ ساعَةٍ واحِدَةٍ، ثُمَّ قالَ ذَلِكَ المُؤْمِنُ: ﴿لا جَرَمَ﴾ والكَلامُ في تَفْسِيرِ لا جَرَمَ مَرَّ في سُورَةِ هُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ﴾ [هُودٍ: ٢٢] وقَدْ أعادَهُ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ هاهُنا فَقالَ: ﴿لا جَرَمَ﴾ مَساقُهُ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ أنْ يُجْعَلَ ﴿لا﴾ رَدًّا لِما دَعاهُ إلَيْهِ قَوْمُهُ و﴿جَرَمَ﴾ فِعْلٌ بِمَعْنى حَقٌّ و﴿أنَّما﴾ مَعَ ما في حَيِّزِهِ فاعِلُهُ أيْ حَقٌّ، ووَجَبَ بُطْلانُ دَعْوَتِهِ، أوْ بِمَعْنى كَسْبٍ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَجْرِمَنَّكم شَنَآنُ قَوْمٍ أنْ صَدُّوكم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ أنْ تَعْتَدُوا﴾ [المائِدَةِ: ٢] أيْ كَسْبُ ذَلِكَ الدُّعاءِ إلَيْهِ بُطْلانُ دَعْوَتِهِ بِمَعْنى أنَّهُ ما حَصَلَ مِن ذَلِكَ إلّا ظُهُورُ بُطْلانِ دَعْوَتِهِ، ويَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ ﴿لا جَرَمَ﴾ نَظِيرُهُ لا بُدَّ فِعْلٌ مِنَ الجَرْمِ وهو القَطْعُ كَما أنَّ بُدَّ فِعْلٌ مِنَ التَّبْدِيدِ وهو التَّفْرِيقُ، وكَما أنَّ مَعْنى لا بُدَّ أنَّكَ تَفْعَلُ كَذا أنَّهُ لا بُدَّ لَكَ مِن فِعْلِهِ، فَكَذَلِكَ ﴿لا جَرَمَ أنَّ لَهُمُ النّارَ﴾ أيْ لا قَطْعَ لِذَلِكَ بِمَعْنى أنَّهم أبَدًا يَسْتَحِقُّونَ النّارَ لا انْقِطاعَ لِاسْتِحْقاقِهِمْ، ولا قَطْعَ لِبُطْلانِ دَعْوَةِ الأصْنامِ، أيْ لا تَزالُ باطِلَةً لا يَنْقَطِعُ