Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 40:43-44
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
أنْ لا يَبْقى مُصِرًّا عَلَيْهِ، فَلا جَرَمَ قُلْنا أنَّ عِقابَ الفاسِقِ مُنْقَطِعٌ. أمّا الَّذِي يَقُولُهُ المُعْتَزِلَةُ مِن أنَّ عِقابَهُ مُؤَبَّدٌ فَهو باطِلٌ؛ لِأنَّ مُدَّةَ تِلْكَ المَعْصِيَةِ مُنْقَطِعَةٌ والعَزْمُ عَلى الإتْيانِ بِها أيْضًا لَيْسَ دائِمًا بَلْ مُنْقَطِعًا، فَمُقابَلَتُهُ بِعِقابٍ دائِمٍ يَكُونُ عَلى خِلافِ قَوْلِهِ: ﴿مَن عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إلّا مِثْلَها﴾، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ أصْلٌ كَبِيرٌ في عُلُومِ الشَّرِيعَةِ فِيما يَتَعَلَّقُ بِأحْكامِ الجِناياتِ فَإنَّها تَقْتَضِي أنْ يَكُونَ المِثْلُ مَشْرُوعًا، وأنْ يَكُونَ الزّائِدُ عَلى المِثْلِ غَيْرَ مَشْرُوعٍ، ثُمَّ نَقُولُ: لَيْسَ في الآيَةِ بَيانُ أنَّ تِلْكَ المُماثَلَةَ مُعْتَبَرَةٌ في أيِّ الأُمُورِ فَلَوْ حَمَلْناهُ عَلى رِعايَةِ المُماثَلَةِ في شَيْءٍ مُعَيَّنٍ، مَعَ أنَّ ذَلِكَ المَعَيَّنَ غَيْرُ مَذْكُورٍ في الآيَةِ صارَتِ الآيَةُ مُجْمَلَةً، ولَوْ حَمَلْناهُ عَلى رِعايَةِ المُماثَلَةِ في جَمِيعِ الأُمُورِ صارَتِ الآيَةُ عامًّا مَخْصُوصًا، وقَدْ ثَبَتَ في أُصُولِ الفِقْهِ أنَّ التَّعارُضَ إذا وقَعَ بَيْنَ الإجْمالِ وبَيْنَ التَّخْصِيصِ كانَ دَفْعُ الإجْمالِ أوْلى فَوَجَبَ أنْ تُحْمَلَ هَذِهِ الآيَةُ عَلى رِعايَةِ المُماثَلَةِ مِن كُلِّ الوُجُوهِ إلّا في مَواضِعِ التَّخْصِيصِ، وإذا ثَبَتَ هَذا فالأحْكامُ الكَثِيرَةُ في بابِ الجِناياتِ عَلى النُّفُوسِ، وعَلى الأعْضاءِ، وعَلى الأمْوالِ يُمْكِنُ تَفْرِيعُها عَلى هَذِهِ الآيَةِ.