Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 40:36-42
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الشُّبْهَةَ فاسِدَةٌ؛ لِأنَّ طُرُقَ العِلْمِ ثَلاثَةٌ الحِسُّ والخَبَرُ والنَّظَرُ، ولا يَلْزَمُ مِنَ انْتِفاءِ طَرِيقٍ واحِدٍ وهو الحِسُّ انْتِفاءَ المَطْلُوبِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ قَدْ بَيَّنَ لِفِرْعَوْنَ أنَّ الطَّرِيقَ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى إنَّما هو الحُجَّةُ والدَّلِيلُ كَما قالَ: ﴿رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ﴾ (الشُّعَراءِ: ٢٨) إلّا أنَّ فِرْعَوْنَ لِخُبْثِهِ ومَكْرِهِ تَغافَلَ عَنْ ذَلِكَ الدَّلِيلِ، وألْقى إلى الجُهّالِ أنَّهُ لَمّا كانَ لا طَرِيقَ إلّا الإحْساسُ بِهَذا الإلَهِ وجَبَ نَفْيُهُ، فَهَذا ما عِنْدِي في هَذا البابِ، وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ والعِصْمَةُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّهُ تَعالى خَلَقَ جَواهِرَ الأفْلاكِ وحَرَكاتِها بِحَيْثُ تَكُونُ هي الأسْبابُ لِحُدُوثِ الحَوادِثِ في هَذا العالَمِ الأسْفَلِ، واحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَعَلِّي أبْلُغُ الأسْبابَ أسْبابَ السَّماواتِ﴾ ومَعْلُومٌ أنَّها لَيْسَتْ أسْبابًا إلّا لِحَوادِثِ هَذا العالَمِ قالُوا: ويُؤَكِّدُ هَذا بِقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ ص: ﴿فَلْيَرْتَقُوا في الأسْبابِ﴾ [ص: ١٠] أمّا المُفَسِّرُونَ فَقَدْ ذَكَرُوا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَعَلِّي أبْلُغُ الأسْبابَ أسْبابَ السَّماواتِ﴾ أنَّ المُرادَ بِأسْبابِ السَّماواتِ طُرُقُها وأبْوابُها وما يُؤَدِّي إلَيْها، وكُلُّ ما أدّاكَ إلى شَيْءٍ فَهو سَبَبٌ كالرَّشادِ ونَحْوِهِ.