Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 40:35
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ الأُولى: قِيلَ: إنَّ يُوسُفَ هَذا هو يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ عَلَيْهِما السَّلامُ، ونَقَلَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ أنَّهُ يُوسُفُ بْنُ أفْرايِيمَ بْنِ يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ أقامَ فِيهِمْ نَيِّفًا وعِشْرِينَ سَنَةً، وقِيلَ: إنَّ فِرْعَوْنَ مُوسى هو فِرْعَوْنُ يُوسُفَ بَقِيَ حَيًّا إلى زَمانِهِ، وقِيلَ: فِرْعَوْنُ آخَرُ، والمَقْصُودُ مِنَ الكُلِّ شَيْءٌ واحِدٌ وهو أنَّ يُوسُفَ جاءَ قَوْمَهُ بِالبَيِّناتِ، وفي المُرادِ بِها قَوْلانِ؛ الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ بِالبَيِّناتِ قَوْلُهُ: ﴿أأرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أمِ اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ [يُوسُفَ: ٣٩]، والثّانِي: المُرادُ بِها المُعْجِزاتُ، وهَذا أوْلى، ثُمَّ إنَّهم بَقُوا في نُبُوَّتِهِ شاكِّينَ مُرْتابِينَ، ولَمْ يَنْتَفِعُوا البَتَّةَ بِتِلْكَ البَيِّناتِ، فَلَمّا ماتَ قالُوا: إنَّهُ ﴿لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولًا﴾ وإنَّما حَكَمُوا بِهَذا الحُكْمِ عَلى سَبِيلِ التَّشَهِّي والتَّمَنِّي مِن غَيْرِ حُجَّةٍ ولا بُرْهانٍ، بَلْ إنَّما ذَكَرُوا ذَلِكَ لِيَكُونَ ذَلِكَ أساسًا لَهم في تَكْذِيبِ الأنْبِياءِ الَّذِينَ يَأْتُونَ بَعْدَ ذَلِكَ، ولَيْسَ في قَوْلِهِمْ: ﴿لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولًا﴾ لِأجْلِ تَصْدِيقِ رِسالَةِ يُوسُفَ وكَيْفَ وقَدْ شَكُّوا فِيها وكَفَرُوا بِها، وإنَّما هو تَكْذِيبٌ لِرِسالَةِ مَن هو بَعْدَهُ مَضْمُومًا إلى تَكْذِيبِ رِسالَتِهِ، ثُمَّ قالَ: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن هو مُسْرِفٌ مُرْتابٌ﴾ أيْ مِثْلُ هَذا الضَّلالِ يُضِلُّ اللَّهُ كُلَّ مُسْرِفٍ في عِصْيانِهِ مُرْتابٍ في دِينِهِ، قالَ الكَعْبِيُّ: هَذِهِ الآيَةُ حُجَّةٌ لِأهْلِ القَدَرِ؛ لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ كُفْرَهم، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ تَعالى إنَّما أضَلَّهم لِكَوْنِهِمْ مُسْرِفِينَ مُرْتابِينَ، فَثَبَتَ أنَّ العَبْدَ ما لَمْ يَضِلَّ عَنِ الدِّينِ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُضِلُّهُ.