Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 40:18-22
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وأجابُوا عَنِ الكَلامِ الثّانِي بِأنْ قالُوا: الأصْلُ في حَرْفِ التَّعْرِيفِ أنْ يَنْصَرِفَ إلى المَعْهُودِ السّابِقِ، فَإذا دَخَلَ حَرْفُ التَّعْرِيفِ عَلى صِيغَةِ الجَمْعِ، وكانَ هُناكَ مَعْهُودٌ سابِقٌ انْصَرَفَ إلَيْهِ، وقَدْ حَصَلَ في هَذِهِ الآيَةِ مَعْهُودٌ سابِقٌ وهُمُ الكُفّارُ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ، فَوَجَبَ أنْ يَنْصَرِفَ إلَيْهِ، وأجابُوا عَنِ الكَلامِ الثّالِثِ بِأنْ قالُوا: قَوْلُهُ: ﴿ما لِلظّالِمِينَ مِن حَمِيمٍ ولا شَفِيعٍ يُطاعُ﴾ يَحْتَمِلُ عُمُومَ السَّلْبِ، ويَحْتَمِلُ سَلْبَ العُمُومِ، أمّا الأوَّلُ فَعَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الظّالِمِينَ مَحْكُومٌ عَلَيْهِ بِأنَّهُ لَيْسَ لَهُ حَمِيمٌ ولا شَفِيعٌ، وأمّا الثّانِي فَعَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّ مَجْمُوعَ الظّالِمِينَ لَيْسَ لَهم حَمِيمٌ ولا شَفِيعٌ، ولا يَلْزَمُ مِن نَفْيِ الحُكْمِ عَنِ المَجْمُوعِ نَفْيُهُ عَنْ كُلِّ واحِدٍ مِن آحادِ ذَلِكَ المَجْمُوعِ، والَّذِي يُؤَكِّدُ ما ذَكَرْناهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [البَقَرَةِ: ٦] فَقَوْلُهُ: إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لا يُؤْمِنُونَ، إنْ حَمَلْناهُ عَلى أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهم مَحْكُومٌ عَلَيْهِ بِأنَّهُ لا يُؤْمِنُ لَزِمَ وُقُوعُ الخُلْفِ في كَلامِ اللَّهِ؛ لِأنَّ كَثِيرًا مِمَّنْ كَفَرَ فَقَدْ آمَنَ بَعْدَ ذَلِكَ، أمّا لَوْ حَمَلْناهُ عَلى أنَّ مَجْمُوعَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا يُؤْمِنُونَ سَواءٌ آمَنَ بَعْضُهم أوْ لَمْ يُؤْمِن، صَدَقَ وتُخُلِّصَ عَنِ الخُلْفِ، فَلا جَرَمَ حَمَلْنا هَذِهِ الآيَةَ عَلى سَلْبِ العُمُومِ، ولَمْ نَحْمِلْها عَلى عُمُومِ السَّلْبِ، فَكَذا قَوْلُهُ: ﴿ما لِلظّالِمِينَ مِن حَمِيمٍ ولا شَفِيعٍ﴾ يَجِبُ حَمْلُهُ عَلى سَلْبِ العُمُومِ لا عَلى عُمُومِ السَّلْبِ، وحِينَئِذٍ بَطَلَ اسْتِدْلالُ المُعْتَزِلَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَهَذا غايَةُ الكَلامِ في هَذا البابِ.