Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 40:10-12
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
ثُمَّ حَكى اللَّهُ عَنْهم أنَّهم قالُوا: ﴿فاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا﴾ فَإنْ قِيلَ: الفاءُ في قَوْلِهِ ﴿فاعْتَرَفْنا﴾ تَقْتَضِي أنْ تَكُونَ الإماتَةُ مَرَّتَيْنِ والإحْياءُ مَرَّتَيْنِ سَبَبًا لِهَذا الِاعْتِرافِ فَبَيَّنُوا هَذِهِ السَّبَبِيَّةَ، قُلْنا: لِأنَّهم كانُوا مُنْكِرِينَ لِلْبَعْثِ فَلَمّا شاهَدُوا الإحْياءَ بَعْدَ الإماتَةِ مَرَّتَيْنِ لَمْ يَبْقَ لَهم عُذْرٌ في الإقْرارِ بِالبَعْثِ، فَلا جَرَمَ وقَعَ هَذا الإقْرارُ كالمُسَبَّبِ عَنْ ذَلِكَ الإحْياءِ وتِلْكَ الإماتَةِ، ثُمَّ قالَ: ﴿فَهَلْ إلى خُرُوجٍ مِن سَبِيلٍ﴾ أيْ هَلْ إلى نَوْعٍ مِنَ الخُرُوجِ سَرِيعٍ أوْ بَطِيءٍ مِن سَبِيلٍ، أمِ اليَأْسُ وقَعَ فَلا خُرُوجَ، ولا سَبِيلَ إلَيْهِ؟ وهَذا كَلامُ مَن غَلَبَ عَلَيْهِ اليَأْسُ والقُنُوطُ، واعْلَمْ أنَّ الجَوابَ الصَّرِيحَ عَنْهُ أنْ يُقالَ: لا أوْ نَعَمْ، وهو تَعالى لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ بَلْ ذَكَرَ كَلامًا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا سَبِيلَ لَهم إلى الخُرُوجِ فَقالَ: ﴿ذَلِكم بِأنَّهُ إذا دُعِيَ اللَّهُ وحْدَهُ كَفَرْتُمْ وإنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا﴾ أيْ ذَلِكُمُ الَّذِي أنْتُمْ فِيهِ، وهو أنْ لا سَبِيلَ لَكم إلى الخُرُوجِ قَطُّ، إنَّما وقَعَ بِسَبَبِ كُفْرِكم بِتَوْحِيدِ اللَّهِ تَعالى، وإيمانِكم بِالإشْراكِ بِهِ ﴿فالحُكْمُ لِلَّهِ﴾ حَيْثُ حَكَمَ عَلَيْكم بِالعَذابِ السَّرْمَدِيِّ، وقَوْلُهُ: ﴿العَلِيِّ الكَبِيرِ﴾ دَلالَةٌ عَلى الكِبْرِياءِ والعَظَمَةِ، وعَلى أنَّ عِقابَهُ لا يَكُونُ إلّا كَذَلِكَ، والمُشَبِّهَةُ اسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿العَلِيِّ﴾ عَلى العُلُوِّ الأعْلى في الجِهَةِ، وبِقَوْلِهِ: ﴿الكَبِيرِ﴾ عَلى كِبَرِ الجُثَّةِ والذّاتِ، وكُلُّ ذَلِكَ باطِلٌ؛ لِأنّا دَلَلْنا عَلى أنَّ الجِسْمِيَّةَ والمَكانَ مُحالانِ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن ﴿العَلِيِّ الكَبِيرِ﴾ العُلُوَّ والكِبْرِياءَ بِحَسْبَ القُدْرَةِ والإلَهِيَّةِ.