Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 40:7-9
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ الأُولى: احْتَجَّ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ بِهَذِهِ الآيَةِ في إثْباتِ أنَّ المَلَكَ أفْضَلُ مِنَ البَشَرِ، قالُوا: لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ المَلائِكَةَ لَمّا فَرَغُوا مِن ذِكْرِ اللَّهِ بِالثَّناءِ والتَّقْدِيسِ اشْتَغَلُوا بِالِاسْتِغْفارِ لِغَيْرِهِمْ وهُمُ المُؤْمِنُونَ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم مُسْتَغْنُونَ عَنِ الِاسْتِغْفارِ لِأنْفُسِهِمْ؛ إذْ لَوْ كانُوا مُحْتاجِينَ إلَيْهِ لَقَدَّمُوا الِاسْتِغْفارَ لِأنْفُسِهِمْ عَلى الِاسْتِغْفارِ لِغَيْرِهِمْ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﷺ: ”«ابْدَأْ بِنَفْسِكَ» “ وأيْضًا قالَ تَعالى لِمُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿فاعْلَمْ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ولِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ [مُحَمَّدٍ: ١٩] فَأمَرَ مُحَمَّدًا أنْ يَذْكُرَ أوَّلًا الِاسْتِغْفارَ لِنَفْسِهِ، ثُمَّ بَعْدَهُ يَذْكُرُ الِاسْتِغْفارَ لِغَيْرِهِ، وحَكى عَنْ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قالَ: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي ولِوالِدَيَّ ولِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا ولِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ [نُوحٍ: ٢٨] وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ مَن كانَ مُحْتاجًا إلى الِاسْتِغْفارِ فَإنَّهُ يُقَدِّمُ الِاسْتِغْفارَ لِنَفْسِهِ عَلى الِاسْتِغْفارِ لِغَيْرِهِ، فالمَلائِكَةُ لَوْ كانُوا مُحْتاجِينَ إلى الِاسْتِغْفارِ لَكانَ اشْتِغالُهم بِالِاسْتِغْفارِ لِأنْفُسِهِمْ مُقَدَّمًا عَلى اشْتِغالِهِمْ بِالِاسْتِغْفارِ لِغَيْرِهِمْ، ولَمّا لَمْ يَذْكُرِ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمُ اسْتِغْفارَهم لِأنْفُسِهِمْ عَلِمْنا أنَّ ذَلِكَ إنَّما كانَ لِأنَّهم ما كانُوا مُحْتاجِينَ إلى الِاسْتِغْفارِ، وأمّا الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَقَدْ كانُوا مُحْتاجِينَ إلى الِاسْتِغْفارِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ وإذا ثَبَتَ هَذا فَقَدْ ظَهَرَ أنَّ المَلَكَ أفْضَلُ مِنَ البَشَرِ. واللَّهُ أعْلَمُ.