Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 39:73-74
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الثّالِثُ: أنَّ الوارِثَ يَتَصَرَّفُ فِيما يَرِثُهُ كَما يَشاءُ مِن غَيْرِ مُنازِعٍ ولا مُدافِعٍ، فَكَذَلِكَ المُؤْمِنُونَ المُتَّقُونَ يَتَصَرَّفُونَ في الجَنَّةِ كَيْفَ شاءُوا وأرادُوا، والمُشابَهَةُ عِلَّةُ حُسْنِ المَجازِ، فَإنْ قِيلَ ما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿حَيْثُ نَشاءُ﴾ وهَلْ يَتَبَوَّأُ أحَدُهم مَكانَ غَيْرِهِ؟ قُلْنا: يَكُونُ لِكُلِّ أحَدٍ جَنَّةٌ لا يَحْتاجُ مَعَها إلى جَنَّةِ غَيْرِهِ، قالَ حُكَماءُ الإسْلامِ: الجَنّاتُ نَوْعانِ: الجَنّاتُ الجُسْمانِيَّةُ والجَنّاتُ الرُّوحانِيَّةُ؛ فالجَنّاتُ الجُسْمانِيَّةُ لا تَحْتَمِلُ المُشارَكَةَ فِيها، أمّا الرُّوحانِيّاتُ فَحُصُولُها لِواحِدٍ لا يَمْنَعُ مِن حُصُولِها لِلْآخَرِينَ، ولَمّا بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى صِفَةَ أهْلِ الجَنَّةِ قالَ: ﴿فَنِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: لَيْسَ هَذا مِن كَلامِ أهْلِ الجَنَّةِ، بَلْ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ لَمّا حَكى ما جَرى بَيْنَ المَلائِكَةِ وبَيْنَ المُتَّقِينَ مِن صِفَةِ ثَوابِ أهْلِ الجَنَّةِ قالَ بَعْدَهُ: ﴿فَنِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ﴾ ولَمّا قالَ تَعالى: ﴿وتَرى المَلائِكَةَ حافِّينَ مِن حَوْلِ العَرْشِ﴾ ذَكَرَ عَقِيبَهُ ثَوابَ المَلائِكَةِ فَقالَ: كَما أنَّ دارَ ثَوابِ المُتَّقِينَ المُؤْمِنِينَ هي الجَنَّةُ، فَكَذَلِكَ دارُ ثَوابِ المَلائِكَةِ جَوانِبُ العَرْشِ وأطْرافُهُ، فَلِهَذا قالَ: ﴿وتَرى المَلائِكَةَ حافِّينَ مِن حَوْلِ العَرْشِ﴾ أيْ مُحَلِّقِينَ بِالعَرْشِ. قالَ اللَّيْثَ: يُقالُ: حَفَّ القَوْمُ بِسَيِّدِهِمْ يَحُفُّونَ حَفًّا: إذا طافُوا بِهِ.