Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 39:67
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وإنَّما ضَحِكَ أفْصَحُ العَرَبِ لِأنَّهُ لَمْ يَفْهَمْ مِنهُ إلّا ما يَفْهَمُهُ عُلَماءُ البَيانِ مِن غَيْرِ تَصَوُّرِ إمْساكٍ ولا إصْبَعٍ ولا هَزٍّ ولا شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، ولَكِنَّ فَهْمَهُ وقَعَ أوَّلَ كُلِّ شَيْءٍ وآخِرَهُ عَلى الزُّبْدَةِ والخُلاصَةِ الَّتِي هي الدِّلالَةُ عَلى القُدْرَةِ الباهِرَةِ، وأنَّ الأفْعالَ العِظامَ الَّتِي تَتَحَيَّرُ فِيها الأوْهامُ ولا تَكْتَنِهُها الأذْهانُ هَيِّنَةٌ عَلَيْهِ، قالَ: ولا نَرى بابًا في عِلْمِ البَيانِ أدَقُّ ولا ألْطَفُ مِن هَذا البابِ، فَيُقالُ لَهُ: هَلْ تُسَلِّمُ أنَّ الأصْلَ في الكَلامِ حَمْلُهُ عَلى الحَقِيقَةِ، وأنَّهُ إنَّما يُعْدَلُ عَنِ الحَقِيقَةِ إلى المَجازِ عِنْدَ قِيامِ الدِّلالَةِ عَلى أنَّ حَمْلَهُ عَلى حَقِيقَتِهِ مُمْتَنِعٌ، فَحِينَئِذٍ يَجِبُ حَمْلُهُ عَلى المَجازِ، فَإنْ أنْكَرَ هَذا الأصْلَ فَحِينَئِذٍ يَخْرُجُ القُرْآنُ بِالكُلِّيَّةِ عَنْ أنْ يَكُونَ حُجَّةً، فَإنَّ لِكُلِّ أحَدٍ أنْ يَقُولَ: المَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ الفُلانِيَّةِ كَذا وكَذا، فَأنا أحْمِلُ الآيَةَ عَلى ذَلِكَ المَقْصُودِ، ولا ألْتَفِتُ إلى الظَّواهِرِ، مِثالُهُ مَن تَمَسَّكَ بِالآياتِ الوارِدَةِ في ثَوابِ أهْلِ الجَنَّةِ وعِقابِ أهْلِ النّارِ، قالَ: المَقْصُودُ بَيانُ سَعاداتِ المُطِيعِينَ وشَقاوَةِ المُذْنِبِينَ، وأنا أحْمِلُ هَذِهِ الآياتِ عَلى هَذا المَقْصُودِ ولا أُثْبِتُ الأكْلَ والشُّرْبَ ولا سائِرَ الأحْوالِ الجُسْمانِيَّةِ، ومَن تَمَسَّكَ بِالآياتِ الوارِدَةِ في إثْباتِ وُجُوبِ الصَّلاةِ فَقالَ: المَقْصُودُ مِنهُ إيجابُ تَنْوِيرِ القَلْبِ بِذِكْرِ اللَّهِ، فَأنا أكْتَفِي بِهَذا القَدْرِ ولا أُوجِبُ هَذِهِ الأعْمالَ المَخْصُوصَةَ، وإذا عَرَفْتَ الكَلامَ في هَذَيْنِ المِثالَيْنِ فَقِسْ عَلَيْهِ سائِرَ المَسائِلَ الأُصُولِيَّةِ والفُرُوعَيَّةِ، وحِينَئِذٍ يَخْرُجُ القُرْآنُ عَنْ أنْ يَكُونَ حُجَّةً في المَسائِلِ الأُصُولِيَّةِ والفُرُوعَيَّةِ، وذَلِكَ باطِلٌ قَطْعًا.