Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 39:60-62
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
البَحْثُ الثّانِي: الكَلامُ في كَيْفِيَّةِ السَّوادِ الحاصِلِ في وُجُوهِهِمْ، والأقْرَبُ أنَّهُ سَوادٌ مُخالِفٌ لِسائِرِ أنْواعِ السَّوادِ، وهو سَوادٌ يَدُلُّ عَلى الجَهْلِ بِاللَّهِ والكَذِبِ عَلى اللَّهِ، وأقُولُ: إنَّ الجَهْلَ ظُلْمَةٌ، والظُّلْمَةُ تُتَخَيَّلُ كَأنَّها سَوادٌ، فَسَوادُ قُلُوبِهِمْ أوْجَبَ سَوادَ وُجُوهِهِمْ، وتَحْتَ هَذا الكَلامِ أسْرارٌ عَمِيقَةٌ مِن مَباحِثِ أحْوالِ القِيامَةِ، فَلَمّا ذَكَرَ اللَّهُ هَذا الوَعِيدَ أرْدَفَهُ بِالوَعْدِ فَقالَ: ﴿ويُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ﴾ الآيَةَ، قالَ القاضِي: المُرادُ بِهِ مَنِ اتَّقى كُلَّ الكَبائِرِ؛ إذْ لا يُوصَفُ بِالِاتِّقاءِ المُطْلَقِ إلّا مَن كانَ هَذا حالَهُ، فَيُقالُ لَهُ: أمْرُكَ عَجِيبٌ جِدًّا فَإنَّكَ قُلْتَ لَمّا تَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْ أنَّ اللَّهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ المُتَّقِينَ﴾ وجَبَ أنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ القِيامَةِ تَرى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى اللَّهِ وُجُوهُهم مُسْوَدَّةٌ﴾ عَلى الَّذِينَ قالُوا: ﴿لَوْ أنَّ اللَّهَ هَدانِي﴾ فَعَلى هَذا القانُونِ لَمّا تَقَدَّمَ قَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ القِيامَةِ تَرى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى اللَّهِ وُجُوهُهم مُسْوَدَّةٌ﴾ ثُمَّ قالَ تَعالى بَعْدَهُ: ﴿ويُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ﴾ وجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ هُمُ الَّذِينَ اتَّقَوْا ذَلِكَ الكَذِبَ، فَهَذا يَقْتَضِي أنَّ كُلَّ مَن لَمْ يَتَّصِفْ بِذَلِكَ الكَذِبِ أنَّهُ يَدْخُلُ تَحْتَ ذَلِكَ الوَعْدِ المَذْكُورِ بِقَوْلِهِ: ﴿ويُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ﴾ وأنْ يَكُونَ قَوْلُكَ: ﴿الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ المُرادُ مِنهُ مَنِ اتَّقى كُلَّ الكَبائِرِ فاسِدًا، فَثَبَتَ أنَّ التَّعَصُّبَ يَحْمِلُ الرَّجُلَ العاقِلَ عَلى الكَلِماتِ المُتَناقِضَةِ، بَلِ الحَقُّ أنْ تَقُولَ: المُتَّقِي هو الآتِي بِالِاتِّقاءِ، والآتِي بِالِاتِّقاءِ في صُورَةٍ واحِدَةٍ آتٍ بِمُسَمّى الِاتِّقاءِ، وبِهَذا الحَرْفِ قُلْنا: الأمْرُ المُطْلَقُ لا يُفِيدُ التَّكْرارَ، ثُمَّ ذَلِكَ الِاتِّقاءُ غَيْرُ مَذْكُورٍ بِعَيْنِهِ في هَذِهِ اللَّفْظَةِ فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى الِاتِّقاءِ عَنِ الشَّيْءِ الَّذِي سَبَقَ ذِكْرَهُ، وهَذا هو الكَذِبُ عَلى اللَّهِ تَعالى، فَثَبَتَ أنَّ ظاهِرَ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّ مَنِ اتَّقى عَنْ تِلْكَ الصِّفَةِ وجَبَ دُخُولُهُ تَحْتَ هَذا الوَعْدِ الكَرِيمِ.