Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 39:60-62
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
إنَّهُ مُخْتَصٌّ بِمُشْرِكِي العَرَبِ، قالَ القاضِي: يَجِبُ حَمْلُ الآيَةِ عَلى الكُلِّ مِنَ المُشَبِّهَةِ والمُجْبِرَةِ، وكَذَلِكَ كُلُّ مَن وصَفَ اللَّهَ بِما لا يَلِيقُ بِهِ نَفْيًا وإثْباتًا، فَأضافَ إلَيْهِ ما يَجِبُ تَنْزِيهُهُ عَنْهُ أوْ نَزَّهَهُ عَمّا يَجِبُ أنْ يُضافَ إلَيْهِ، فالكُلُّ مِنهم داخِلُونَ تَحْتَ هَذِهِ الآيَةِ؛ لِأنَّهم كَذَبُوا عَلى اللَّهِ، فَتَخْصِيصُ الآيَةِ بِالمُجْبِرَةِ والمُشَبِّهَةِ أوِ اليَهُودِ والنَّصارى لا يَجُوزُ، واعْلَمْ أنّا لَوْ أجْرَيْنا هَذِهِ الآيَةَ عَلى عُمُومِها كَما ذَكَرَهُ القاضِي لَزِمَهُ تَكْفِيرُ الأُمَّةِ؛ لِأنَّكَ لا تَرى فِرْقَةً مِن فِرَقِ الأُمَّةِ إلّا وقَدْ حَصَلَ بَيْنَهُمُ اخْتِلافٌ شَدِيدٌ في صِفاتِ اللَّهِ تَعالى، ألا تَرى أنَّهُ حَصَلَ الِاخْتِلافُ بَيْنَ أبِي هاشِمٍ وأهْلِ السُّنَّةِ في مَسائِلَ كَثِيرَةٍ مِن صِفاتِ اللَّهِ تَعالى، ويَلْزَمُ عَلى قانُونِ قَوْلِ القاضِي تَكْفِيرُ أحَدِهِما، فَثَبَتَ أنَّهُ يَجِبُ أنْ يُحْمَلَ الكَذِبُ المَذْكُورُ في الآيَةِ عَلى ما إذا قَصَدَ الإخْبارَ عَنِ الشَّيْءِ مَعَ أنَّهُ يَعْلَمُ أنَّهُ كاذِبٌ فِيما يَقُولُ، ومِثالُ هَذا كُفّارُ قُرَيْشٍ فَإنَّهم كانُوا يَصِفُونَ تِلْكَ الأصْنامَ بِالإلَهِيَّةِ مَعَ أنَّهم كانُوا يَعْلَمُونَ بِالضَّرُورَةِ أنَّها جَماداتٌ، وكانُوا يَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى حَرَّمَ البَحِيرَةَ والسّائِبَةَ والوَصِيلَةَ والحامَ، مَعَ أنَّهم كانُوا يُنْكِرُونَ القَوْلَ بِأنَّ اللَّهَ حَرَّمَ كَذا وأباحَ كَذا، وكانَ قائِلُهُ عالِمًا بِأنَّهُ كَذِبٌ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَإلْحاقُ مِثْلَ هَذا الوَعِيدِ بِهَذا الجاهِلِ الكَذّابِ الضّالِّ المُضِلِّ يَكُونُ مُناسِبًا، أمّا مَن لَمْ يَقْصِدْ إلّا الحَقَّ والصِّدْقَ لَكِنَّهُ أخْطَأ، يَبْعُدُ إلْحاقُ هَذا الوَعِيدِ بِهِ.