Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 39:33-37
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّ الرِّسالَةَ لا تَتِمُّ إلّا بِأرْكانٍ أرْبَعَةٍ: المُرْسِلِ والمُرْسَلُ والرِّسالَةِ والمُرْسَلِ إلَيْهِ، والمَقْصُودُ مِنَ الإرْسالِ إقْدامُ المُرْسَلِ إلَيْهِ عَلى القَبُولِ والتَّصْدِيقِ، فَأوَّلُ شَخْصٍ أتى بِالتَّصْدِيقِ هو الَّذِي يَتِمُّ بِهِ الإرْسالُ، وسَمِعْتُ بَعْضَ القاصِّينَ مِنَ الَّذِي يَرْوِي عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «دَعُوا أبا بَكْرٍ، فَإنَّهُ مِن تَتِمَّةِ النُّبُوَّةِ» .
واعْلَمْ أنّا سَواءٌ قُلْنا: المُرادُ بِالَّذِي صَدَّقَ بِهِ شَخْصٌ مُعَيَّنٌ، أوْ قُلْنا: المُرادُ مِنهُ كُلُّ مَن كانَ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الصِّفَةِ، فَإنَّ أبا بَكْرٍ داخِلٌ فِيهِ.
أمّا عَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ: فَدُخُولُ أبِي بَكْرٍ فِيهِ ظاهِرٌ، وذَلِكَ لِأنَّ هَذا يَتَناوَلُ أسْبَقَ النّاسِ إلى التَّصْدِيقِ، وأجْمَعُوا عَلى أنَّ الأسْبَقَ الأفْضَلَ إمّا أبُو بَكْرٍ وإمّا عَلِيٌّ، وحَمْلُ هَذا اللَّفْظِ عَلى أبِي بَكْرٍ أوْلى، لِأنَّ عَلِيًّا عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ وقْتَ البَعْثَةِ صَغِيرًا، فَكانَ كالوَلَدِ الصَّغِيرِ الَّذِي يَكُونُ في البَيْتِ، ومَعْلُومٌ أنَّ إقْدامَهُ عَلى التَّصْدِيقِ لا يُفِيدُ مَزِيدَ قُوَّةٍ وشَوْكَةٍ. أمّا أبُو بَكْرٍ فَإنَّهُ كانَ رَجُلًا كَبِيرًا في السِّنِّ كَبِيرًا في المَنصِبِ، فَإقْدامُهُ عَلى التَّصْدِيقِ يُفِيدُ مَزِيدَ قُوَّةٍ وشَوْكَةٍ في الإسْلامِ، فَكانَ حَمْلُ هَذا اللَّفْظِ إلى أبِي بَكْرٍ أوْلى.