Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 39:22-28
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وأيْضًا إذا أرادَ أنْ يُحِيطَ عَقْلُهُ بِمَعْنى الأزَلِ فَيَتَقَدَّمَ في ذِهْنِهِ بِمِقْدارِ ألْفِ ألْفِ سَنَةٍ ثُمَّ يَتَقَدَّمَ أيْضًا بِحَسَبِ كُلِّ لَحْظَةٍ مِن لَحَظاتِ تِلْكَ المُدَّةِ ألْفِ ألْفِ سَنَةٍ، ولا يَزالُ يَحْتالُ ويَتَقَدَّمُ ويَتَخَيَّلُ في الذِّهْنِ، فَإذا بالَغَ وتَوَغَّلَ وظَنَّ أنَّهُ اسْتَحْضَرَ مَعْنى الأزَلِ، قالَ العَقْلُ: هَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ، لِأنَّ كُلَّ ما اسْتَحْضَرْتُهُ فِيَّ فَهو مُتَناهٍ، والأزَلُ هو الوُجُودُ المُتَقَدِّمُ عَلى هَذِهِ المُدَّةِ المُتَناهِيَةِ، فَهَهُنا يَتَحَيَّرُ العَقْلُ ويَقْشَعِرُّ الجِلْدُ، وأمّا إذا تَرَكَ هَذا الِاعْتِبارَ، وقالَ هَهُنا مَوْجُودٌ، والمَوْجُودُ إمّا واجِبٌ وإمّا مُمْكِنٌ، فَإنْ كانَ واجِبًا فَهو دائِمًا مُنَزَّهٌ عَنِ الأوَّلِ والآخِرِ، وإنْ كانَ مُمْكِنًا فَهو مُحْتاجٌ إلى الواجِبِ فَيَكُونُ أزَلِيًّا أبَدِيًّا، فَإذا اعْتَبَرَ العَقْلُ فَهِمَ مَعْنى الأزَلِيَّةِ، فَهَهُنا يَلِينُ جِلْدُهُ وقَلْبُهُ إلى ذِكْرِ اللَّهِ، فَثَبَتَ أنَّ المَقامَيْنِ المَذْكُورَيْنِ في الآيَةِ لا يَجِبُ قَصْرُهُما عَلى سَماعِ آيَةِ العَذابِ وآيَةِ الرَّحْمَةِ، بَلْ ذاكَ أُولى تِلْكَ المَراتِبِ، وبَعْدَهُ مَراتِبُ لا حَدَّ لَها ولا حَصْرَ في حُصُولِ تِلْكَ الحالَتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ.