Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 39:21
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ الآخِرَةَ بِصِفاتٍ تُوجِبُ الرَّغْبَةَ العَظِيمَةَ لِأُولِي الألْبابِ فِيها - وصَفَ الدُّنْيا بِصِفَةٍ تُوجِبُ اشْتِدادَ النَّفْرَةِ عَنْها، وذَلِكَ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً، وهو المَطَرُ، وقِيلَ: كُلُّ ما كانَ في الأرْضِ فَهو مِنَ السَّماءِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى يُنْزِلُهُ إلى بَعْضِ المَواضِعِ، ثُمَّ يُقَسِّمُهُ فَيَسْلُكُهُ يَنابِيعَ في الأرْضِ، أيْ: فَيُدْخِلُهُ ويُنَظِّمُهُ يَنابِيعَ في الأرْضِ عُيُونًا، ومَسالِكَ ومَجارِيَ كالعُرُوقِ في الأجْسامِ، يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ مِن خُضْرَةٍ وحُمْرَةٍ وصُفْرَةٍ وبَياضٍ وغَيْرِ ذَلِكَ، أوْ مُخْتَلِفًا أصْنافُهُ مِن بُرٍّ وشَعِيرٍ وسِمْسِمٍ، ثُمَّ يَهِيجُ، وذَلِكَ لِأنَّهُ إذا تَمَّ جَفافُهُ جازَ لَهُ أنْ يَنْفَصِلَ عَنْ مَنابِتِهِ، وإنْ لَمْ تَتَفَرَّقْ أجْزاؤُهُ، فَتِلْكَ الأجْزاءُ كَأنَّها هاجَتْ لِأنْ تَتَفَرَّقَ، ثُمَّ يَصِيرُ حُطامًا يابِسًا، ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى﴾ يَعْنِي أنَّ مَن شاهَدَ هَذِهِ الأحْوالَ في النَّباتِ عَلِمَ أنَّ أحْوالَ الحَيَوانِ والإنْسانِ كَذَلِكَ، وأنَّهُ وإنْ طالَ عُمُرُهُ فَلا بُدَّ لَهُ مِنَ الِانْتِهاءِ إلى أنْ يَصِيرَ مُصْفَرَّ اللَّوْنِ، مُنْحَطِمَ الأعْضاءِ والأجْزاءِ، ثُمَّ تَكُونُ عاقِبَتُهُ المَوْتَ.