Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 39:17-20
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكَمَ عَلى الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ بِأنْ قالَ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وأُولَئِكَ هم أُولُو الألْبابِ﴾ وفي ذَلِكَ دَقِيقَةٌ عَجِيبَةٌ، وهي أنَّ حُصُولَ الهِدايَةِ في العَقْلِ والرُّوحِ أمْرٌ حادِثٌ، ولا بُدَّ لَهُ مِن فاعِلٍ وقابَلٍ، أمّا الفاعِلُ فَهو اللَّهُ سُبْحانَهُ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ﴾ وأمّا القابِلُ فَإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿وأُولَئِكَ هم أُولُو الألْبابِ﴾ فَإنَّ الإنْسانَ ما لَمْ يَكُنْ عاقِلًا كامِلَ الفَهْمِ امْتَنَعَ حُصُولُ هَذِهِ المَعارِفِ الحَقِّيَّةِ في قَلْبِهِ، وإنَّما قُلْنا: إنَّ الفاعِلَ لِهَذِهِ الهِدايَةِ هو اللَّهُ، وذَلِكَ لِأنَّ جَوْهَرَ النَّفْسِ مَعَ ما فِيها مِن نُورِ العَقْلِ قابِلٌ لِلِاعْتِقادِ الحَقِّ، والِاعْتِقادِ الباطِلِ، وإذا كانَ الشَّيْءُ قابِلًا لِلضِّدَّيْنِ كانَتْ نِسْبَةُ ذَلِكَ القابِلِ إلَيْهِما عَلى السَّوِيَّةِ، ومَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ امْتَنَعَ كَوْنُ ذَلِكَ القابِلِ سَبَبًا لِرُجْحانِ أحَدِ الطَّرَفَيْنِ، ألا تَرى أنَّ الجِسْمَ لَمّا كانَ قابِلًا لِلْحَرَكَةِ والسُّكُونِ عَلى السَّوِيَّةِ، امْتَنَعَ أنْ تَصِيرَ ذاتُ الجِسْمِ سَبَبًا لِرُجْحانِ أحَدِ الطَّرَفَيْنِ عَلى الآخَرِ، فَإنْ قالُوا: لا نَقُولُ: إنَّ ذاتَ النَّفْسِ والعَقْلِ تُوجِبُ هَذا الرُّجْحانَ، بَلْ نَقُولُ: إنَّهُ يُرِيدُ تَحْصِيلَ أحَدِ الطَّرَفَيْنِ، فَتَصِيرُ تِلْكَ الإرادَةُ سَبَبًا لِذَلِكَ الرُّجْحانِ، فَنَقُولُ: هَذا باطِلٌ، لِأنَّ ذاتَ النَّفْسِ كَما أنَّها قابِلَةٌ لِهَذِهِ الإرادَةِ، فَكَذَلِكَ ذاتُ العَقْلِ قابِلَةٌ لِإرادَةٍ مُضادَّةٍ لِتِلْكَ الإرادَةِ، فَيَمْتَنِعُ كَوْنُ جَوْهَرِ النَّفْسِ سَبَبًا لِتِلْكَ الإرادَةِ، فَثَبَتَ أنَّ حُصُولَ الهِدايَةِ لا بُدَّ لَها مِن فاعِلٍ ومِن قابِلٍ.