Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 39:17-20
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
صفحة ٢٢٦
الأوَّلِ، وقَدِ اتَّفَقَ أنِّي كُنْتُ أنْصَحُ بَعْضَ الصِّبْيانِ في حِفْظِ العِرْضِ والمالِ، فَعارَضَنِي، وقالَ: لا يَجُوزُ الِاعْتِمادُ عَلى الجِدِّ والجُهْدِ، بَلْ يَجِبُ الِاعْتِمادُ عَلى قَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ، فَقُلْتُ: هَذِهِ كَلِمَةُ حَقٍّ سَمِعْتَها، ولَكِنَّكَ ما عَرَفْتَ مَعْناها، وذَلِكَ لِأنَّهُ لا شُبْهَةَ أنَّ الكُلَّ مِنَ اللَّهِ تَعالى إلّا أنَّهُ سُبْحانَهُ دَبَّرَ الأشْياءَ عَلى قِسْمَيْنِ: مِنها ما جَعَلَ حُدُوثَهُ وحُصُولَهُ مُعَلَّقًا بِأسْبابٍ مَعْلُومَةٍ، ومِنها ما يُحْدِثُهُ مِن غَيْرِ واسِطَةِ هَذِهِ الأسْبابِ.
أمّا القِسْمُ الأوَّلُ: فَهو حَوادِثُ هَذا العالَمِ الأسْفَلِ.
وأمّا القِسْمُ الثّانِي: فَهو حَوادِثُ هَذا العالَمِ الأعْلى، وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: مَن طَلَبَ حَوادِثَ هَذا العالَمِ الأسْفَلِ لا مِنَ الأسْبابِ الَّتِي عَيَّنَها اللَّهُ تَعالى، كانَ هَذا الشَّخْصُ مُنازِعًا لِلَّهِ في حِكْمَتِهِ، مُخالِفًا في تَدْبِيرِهِ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى حَكَمَ بِحُدُوثِ هَذِهِ الأشْياءِ بِناءً عَلى تِلْكَ الأسْبابِ المُعَيَّنَةِ المَعْلُومَةِ، وأنْتَ تُرِيدُ تَحْصِيلَها لا مِن تِلْكَ الأسْبابِ، فَهَذا هو الكَلامُ في تَحْقِيقِ الإعْراضِ عَنْ غَيْرِ اللَّهِ، والإقْبالِ بِالكُلِّيَّةِ عَلى اللَّهِ تَعالى، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ﴾ إشارَةٌ إلى الإعْراضِ عَنْ غَيْرِ اللَّهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنابُوا إلى اللَّهِ﴾ إشارَةٌ إلى الإقْبالِ بِالكُلِّيَّةِ عَلى عِبادَةِ اللَّهِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى وعَدَ هَؤُلاءِ بِأشْياءَ: