Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 39:17-20
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ المُرادَ مِنَ الطّاغُوتِ هَهُنا الشَّيْطانُ أمِ الأوْثانُ، فَقِيلَ: إنَّهُ الشَّيْطانُ، فَإنْ قِيلَ: إنَّهم ما عَبَدُوا الشَّيْطانَ وإنَّما عَبَدُوا الصَّنَمَ، قُلْنا: الدّاعِي إلى عِبادَةِ الصَّنَمِ لَمّا كانَ هو الشَّيْطانَ كانَ الإقْدامُ عَلى عِبادَةِ الصَّنَمِ عِبادَةً لِلشَّيْطانِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالطّاغُوتِ الصَّنَمُ، وسُمِّيَتْ طَواغِيتَ عَلى سَبِيلِ المَجازِ، لِأنَّهُ لا فِعْلَ لَها، والطُّغاةُ هُمُ الَّذِينَ يَعْبُدُونَها إلّا أنَّهُ لَمّا حَصَلَ الطُّغْيانُ عِنْدَ مُشاهَدَتِها والقُرْبِ مِنها وُصِفَتْ بِهَذِهِ الصِّفَةِ إطْلاقًا لِاسْمِ المُسَبَّبِ عَلى السَّبَبِ بِحَسَبِ الظّاهِرِ، وقِيلَ: كُلُّ ما يُعْبَدُ ويُطاعُ مِن دُونِ اللَّهِ فَهو طاغُوتٌ، ويُقالُ في التَّوارِيخِ: إنَّ الأصْلَ في عِبادَةِ الأصْنامِ أنَّ القَوْمَ كانُوا مُشَبِّهَةً اعْتَقَدُوا في الإلَهِ أنَّهُ نُورٌ عَظِيمٌ، وفي المَلائِكَةِ أنَّها أنْوارٌ مُخْتَلِفَةٌ في الصِّغَرِ والكِبَرِ، فَوَضَعُوا تَماثِيلَ وصُوَرًا عَلى وفْقِ تِلْكَ الخَيالاتِ، فَكانُوا يَعْبُدُونَ تِلْكَ التَّماثِيلَ عَلى اعْتِقادِ أنَّهم يَعْبُدُونَ اللَّهَ والمَلائِكَةَ، وأقُولُ: حاصِلُ الكَلامِ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ﴾ أيْ: أعْرَضُوا عَنْ عُبُودِيَّةِ كُلِّ ما سِوى اللَّهِ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنابُوا إلى اللَّهِ﴾ أيْ رَجَعُوا بِالكُلِّيَّةِ إلى اللَّهِ، ورَأيْتُ في السِّفْرِ الخامِسِ مِنَ التَّوْراةِ: أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ لِمُوسى: يا مُوسى أجِبْ إلَهَكَ بِكُلِّ قَلْبِكِ.