Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 39:10-16
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
ولَمّا شَرَحَ اللَّهُ تَعالى أحْوالَ حِرْمانِهِمْ عَنِ الرِّبْحِ وبَيَّنَ كَيْفِيَّةَ خُسْرانِهِمْ، بَيَّنَ أنَّهم لَمْ يَقْتَصِرُوا عَلى الحِرْمانِ والخُسْرانِ، بَلْ ضَمُّوا إلَيْهِ اسْتِحْقاقَ العَذابِ العَظِيمِ والعِقابِ الشَّدِيدِ، فَقالَ: ﴿لَهم مِن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النّارِ ومِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ والمُرادُ إحاطَةُ النّارِ بِهِمْ مِن جَمِيعِ الجَوانِبِ، ونَظِيرُهُ في الأحْوالِ النَّفْسانِيَّةِ إحاطَةُ الجَهْلِ والحِرْمانِ والحِرْصِ وسائِرِ الأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ بِالإنْسانِ، فَإنْ قِيلَ: الظُّلَلُ ما عَلى الإنْسانِ، فَكَيْفَ سُمِّيَ ما تَحْتَهُ بِالظُّلَلِ ؟ والجَوابُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ مِن بابِ إطْلاقِ اسْمِ أحَدِ الضِّدَّيْنِ عَلى الآخَرِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠] .
الثّانِي: أنَّ الَّذِي يَكُونُ تَحْتَهُ يَكُونُ ظُلَّةً لِإنْسانٍ آخَرَ تَحْتَهُ، لِأنَّ النّارَ دَرَكاتٌ كَما أنَّ الجَنَّةَ دَرَجاتٌ.
والثّالِثُ: أنَّ الظُّلَّةَ التَّحْتانِيَّةَ إذا كانَتْ مُشابِهَةً لِلظُّلَّةِ الفَوْقانِيَّةِ في الحَرارَةِ والإحْراقِ والإيذاءِ أُطْلِقَ اسْمُ أحَدِهِما عَلى الآخَرِ لِأجْلِ المُماثَلَةِ والمُشابَهَةِ.
قالَ الحَسَنُ: هم بَيْنَ طَبَقَتَيْنِ مِنَ النّارِ، لا يَدْرُونَ ما فَوْقَهم أكْثَرَ مِمّا تَحْتَهم، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَغْشاهُمُ العَذابُ مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥٥]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهم مِن جَهَنَّمَ مِهادٌ ومِن فَوْقِهِمْ غَواشٍ﴾ [الأعراف: ٤١] .
* * *