Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 39:10-16
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
النَّوْعُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿قُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ والمُرادُ أنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِأنْ يَضُمُّوا إلى الإيمانِ التَّقْوى، وهَذا مِن أوَّلِ الدَّلائِلِ عَلى أنَّ الإيمانَ يَبْقى مَعَ المَعْصِيَةِ، قالَ القاضِي: أمَرَهم بِالتَّقْوى لِكَيْلا يُحْبِطُوا إيمانَهم، لِأنَّ عِنْدَ الِاتِّقاءِ مِنَ الكَبائِرِ يَسْلَمُ لَهُمُ الثَّوابُ، وبِالإقْدامِ عَلَيْها يُحْبَطُ، فَيُقالُ لَهُ: هَذا بِأنْ يَدُلَّ عَلى ضِدِّ قَوْلِكَ أوْلى، لِأنَّهُ لَمّا أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِالتَّقْوى دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ يَبْقى مُؤْمِنًا مَعَ عَدَمِ التَّقْوى، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الفِسْقَ لا يُزِيلُ الإيمانَ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِالِاتِّقاءِ بَيَّنَ لَهم ما في هَذا الِاتِّقاءِ مِنَ الفَوائِدِ، فَقالَ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ﴾، فَقَوْلُهُ: ﴿فِي هَذِهِ الدُّنْيا﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ صِلَةً لِقَوْلِهِ: ﴿أحْسَنُوا﴾ أوْ لِـ”حَسَنَةٌ“، فَعَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ - مَعْناهُ: لِلَّذِينِ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا كُلُّهم حَسَنَةٌ في الآخِرَةِ، وهي دُخُولُ الجَنَّةِ، والتَّنْكِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿حَسَنَةٌ﴾ لِلتَّعْظِيمِ، يَعْنِي: حَسَنَةٌ لا يَصِلُ العَقْلُ إلى كُنْهِ كَمالِها.