Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 39:8-9
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
فَأوَّلُها أنَّهُ بَدَأ فِيها بِذِكْرِ العِلْمِ، وخَتَمَ فِيها بِذِكْرِ العِلْمِ، أمّا العَمَلُ فَكَوْنُهُ قانِتًا ساجِدًا قائِمًا، وأمّا العِلْمُ فَقَوْلُهُ: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ كَمالِ الإنْسانِ مَحْصُورٌ في هَذَيْنِ المَقْصُودَيْنِ، فالعَمَلُ هو البِدايَةُ، والعِلْمُ والمُكاشَفَةُ هو النِّهايَةُ.
الفائِدَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى نَبَّهَ عَلى أنَّ الِانْتِفاعَ بِالعَمَلِ إنَّما يَحْصُلُ إذا كانَ الإنْسانُ مُواظِبًا عَلَيْهِ، فَإنَّ القُنُوتَ عِبارَةٌ عَنْ كَوْنِ الرَّجُلِ قائِمًا بِما يَجِبُ عَلَيْهِ مِنَ الطّاعاتِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ العِلْمَ إنَّما يُفِيدُ إذا واظَبَ عَلَيْهِ الإنْسانُ، وقَوْلُهُ: ﴿ساجِدًا وقائِمًا﴾ إشارَةٌ إلى أصْنافِ الأعْمالِ، وقَوْلُهُ: ﴿يَحْذَرُ الآخِرَةَ ويَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ الإنْسانَ عِنْدَ المُواظَبَةِ يَنْكَشِفُ لَهُ في الأوَّلِ مَقامُ القَهْرِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿يَحْذَرُ الآخِرَةَ﴾ ثُمَّ بَعْدَهُ مَقامُ الرَّحْمَةِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿يَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ ثُمَّ يَحْصُلُ أنْواعُ المُكاشَفاتِ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ .
صفحة ٢١٩
الفائِدَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ قالَ في مَقامِ الخَوْفِ: ﴿يَحْذَرُ الآخِرَةَ﴾ فَما أضافَ الحَذَرَ إلى نَفْسِهِ، وفي مَقامِ الرَّجاءِ أضافَهُ إلى نَفْسِهِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ جانِبَ الرَّجاءِ أكْمَلُ وألْيَقُ بِحَضْرَةِ اللَّهِ تَعالى.