Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 39:8-9
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: القانِتُ القائِمُ بِما يَجِبُ عَلَيْهِ مِنَ الطّاعَةِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: «أفْضَلُ الصَّلاةِ صَلاةُ القُنُوتِ» وهو القِيامُ فِيها، ومِنهُ القُنُوتُ في الصُّبْحِ، لِأنَّهُ يَدْعُو قائِمًا. عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ قالَ: لا أعْلَمُ القُنُوتَ إلّا قِراءَةَ القُرْآنِ وطُولَ القِيامِ، وتَلا: ﴿أمْ مَن هو قانِتٌ﴾، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: القُنُوتُ طاعَةُ اللَّهِ، لِقَوْلِهِ: ﴿كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ﴾ [البقرة: ١١٦] أيْ مُطِيعُونَ، وعَنْ قَتادَةَ: ”آناءُ اللَّيْلِ“ ساعاتُ اللَّيْلِ، أوَّلُهُ ووَسَطُهُ وآخِرُهُ، وفي هَذِهِ اللَّفْظَةِ تَنْبِيهٌ عَلى فَضْلِ قِيامِ اللَّيْلِ، وأنَّهُ أرْجَحُ مِن قِيامِ النَّهارِ، ويُؤَكِّدُهُ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ عِبادَةَ اللَّيْلِ أسْتَرُ عَنِ العُيُونِ فَتَكُونُ أبْعَدَ عَنِ الرِّياءِ.
الثّانِي: أنَّ الظُّلْمَةَ تَمْنَعُ مِنَ الإبْصارِ، ونَوْمُ الخَلْقِ يَمْنَعُ مِنَ السَّماعِ، فَإذا صارَ القَلْبُ فارِغًا عَنِ الِاشْتِغالِ بِالأحْوالِ الخارِجِيَّةِ عادَ إلى المَطْلُوبِ الأصْلِيِّ، وهو مَعْرِفَةُ اللَّهِ وخِدْمَتُهُ.
الثّالِثُ: أنَّ اللَّيْلَ وقْتُ النَّوْمِ فَتَرْكُهُ يَكُونُ أشَقَّ فَيَكُونُ الثَّوابُ أكْثَرَ.
الرّابِعُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هي أشَدُّ وطْئًا وأقْوَمُ قِيلًا﴾ [المزمل: ٦]، وقَوْلُهُ: ﴿ساجِدًا﴾ حالٌ، وقُرِئَ ”ساجِدٌ وقائِمٌ“ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، والواوُ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الصِّفَتَيْنِ.
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى أسْرارٍ عَجِيبَةٍ: