Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 39:5-7
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿فَأنّى تُصْرَفُونَ﴾ يَحْتَجُّ بِهِ أصْحابُنا ويَحْتَجُّ بِهِ المُعْتَزِلَةُ، أمّا أصْحابُنا فَوَجْهُ الِاسْتِدْلالِ لَهم بِهَذِهِ الآيَةِ: أنَّها صَرِيحَةٌ في أنَّهم لَمْ يَنْصَرِفُوا بِأنْفُسِهِمْ عَنْ هَذِهِ البَياناتِ، بَلْ صَرَفَها عَنْهم غَيْرُهم، وما ذاكَ الغَيْرُ إلّا اللَّهُ، وأيْضًا فَدَلِيلُ العَقْلِ يُقَوِّي ذَلِكَ، لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ يُرِيدُ لِنَفْسِهِ تَحْصِيلَ الحَقِّ والصَّوابِ، فَلَمّا لَمْ يَحْصُلْ ذَلِكَ، وإنَّما حَصَلَ الجَهْلُ والضَّلالُ عَلِمْنا أنَّهُ مِن غَيْرِهِ لا مِنهُ، وأمّا المُعْتَزِلَةُ فَوَجْهُ الِاسْتِدْلالِ لَهم: أنَّ قَوْلَهُ ﴿فَأنّى تُصْرَفُونَ﴾ تَعَجُّبٌ مِن هَذا الِانْصِرافِ، ولَوْ كانَ الفاعِلُ لِذَلِكَ الصَّرْفِ هو اللَّهُ تَعالى لَمْ يَبْقَ لِهَذا التَّعَجُّبِ مَعْنًى.
صفحة ٢١٥
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ﴾ والمَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى ما كَلَّفَ المُكَلَّفِينَ لِيَجُرَّ إلى نَفْسِهِ مَنفَعَةً، أوْ لِيَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ مَضَرَّةً، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى غَنِيٌّ عَلى الإطْلاقِ، ويَمْتَنِعُ في حَقِّهِ جَرُّ المَنفَعَةِ ودَفْعُ المَضَرَّةِ، وإنَّما قُلْنا: إنَّهُ غَنِيٌّ لِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ واجِبُ الوُجُودِ لِذاتِهِ، وواجِبُ الوُجُودِ في جَمِيعِ صِفاتِهِ، ومَن كانَ كَذَلِكَ كانَ غَنِيًّا عَلى الإطْلاقِ.
الثّانِي: أنَّهُ لَوْ كانَ مُحْتاجًا لَكانَتْ تِلْكَ الحاجَةُ إمّا قَدِيمَةً وإمّا حادِثَةً.