Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 38:86-88
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الكَثِيرَةِ، بَلْ هو دِينٌ يَشْهَدُ صَرِيحُ العَقْلِ بِصِحَّتِهِ، فَإنِّي أدْعُوكم إلى الإقْرارِ بِوُجُودِ اللَّهِ أوَّلًا، ثُمَّ أدْعُوكم ثانِيًا إلى تَنْزِيهِهِ وتَقْدِيسِهِ عَنْ كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِهِ، يُقَوِّي ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] وأمْثالُهُ، ثُمَّ أدْعُوكم ثالِثًا إلى الإقْرارِ بِكَوْنِهِ مَوْصُوفًا بِكَمالِ العِلْمِ والقُدْرَةِ والحِكْمَةِ والرَّحْمَةِ، ثُمَّ أدْعُوكم رابِعًا إلى الإقْرارِ بِكَوْنِهِ مُنَزَّهًا عَنِ الشُّرَكاءِ والأضْدادِ، ثُمَّ أدْعُوكم خامِسًا إلى الِامْتِناعِ عَنْ عِبادَةِ هَذِهِ الأوْثانِ الَّتِي هي جَماداتٌ خَسِيسَةٌ ولا مَنفَعَةَ في عِبادَتِها ولا مَضَرَّةَ في الإعْراضِ عَنْها، ثُمَّ أدْعُوكم سادِسًا إلى تَعْظِيمِ الأرْواحِ الطّاهِرَةِ المُقَدَّسَةِ، وهُمُ المَلائِكَةُ والأنْبِياءُ. ثُمَّ أدْعُوكم سابِعًا إلى الإقْرارِ بِالبَعْثِ والقِيامَةِ: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أساءُوا بِما عَمِلُوا ويَجْزِيَ الَّذِينَ أحْسَنُوا بِالحُسْنى﴾ [النجم: ٣١] ثُمَّ أدْعُوكم ثامِنًا إلى الإعْراضِ عَنِ الدُّنْيا والإقْبالِ عَلى الآخِرَةِ، فَهَذِهِ الأُصُولُ الثَّمانِيَةُ هي الأُصُولُ القَوِيَّةُ المُعْتَبَرَةُ في دِينِ اللَّهِ تَعالى ودِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ وبِداءَةِ العُقُولِ، وأوائِلُ الأفْكارِ شاهِدَةٌ بِصِحَّةِ هَذِهِ الأُصُولِ الثَّمانِيَةِ، فَثَبَتَ أنِّي لَسْتُ مِنَ المُتَكَلِّفِينَ في الشَّرِيعَةِ الَّتِي أدْعُو الخَلْقَ إلَيْها، بَلْ كُلُّ عَقْلٍ سَلِيمٍ وطَبْعٍ مُسْتَقِيمٍ فَإنَّهُ يَشْهَدُ بِصِحَّتِها وجَلالَتِها وبُعْدِها عَنِ الباطِلِ والفَسادِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنْ هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ ولَمّا بَيَّنَ هَذِهِ المُقَدِّماتِ قالَ: ﴿ولَتَعْلَمُنَّ نَبَأهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ والمَعْنى: أنَّكم إنْ أصْرَرْتُمْ عَلى الجَهْلِ والتَّقْلِيدِ وأبَيْتُمْ قَبُولَ هَذِهِ البَياناتِ الَّتِي ذَكَرْناها، فَسَتَعْلَمُونَ بَعْدَ حِينٍ أنَّكم كُنْتُمْ مُصِيبِينَ في هَذا الإعْراضِ أوْ مُخْطِئِينَ، وذِكْرُ مِثْلِ هَذِهِ الكَلِمَةِ بَعْدَ تِلْكَ البَياناتِ المُتَقَدِّمَةِ مِمّا لا مَزِيدَ عَلَيْهِ في التَّخْوِيفِ والتَّرْهِيبِ، واللَّهُ أعْلَمُ.