Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 38:80-85
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وأمّا المُقَدِّمَةُ الثّالِثَةُ: فَهي أنَّ مَن كانَ أصْلُهُ خَيْرًا مِن أصْلِهِ فَهو خَيْرٌ مِنهُ، فاعْلَمْ أنَّ هَذِهِ المُقَدِّمَةَ كاذِبَةٌ جِدًّا، وذَلِكَ لِأنَّ أصْلَ الرَّمادِ النّارُ، وأصْلَ البَساتِينِ النَّزِهَةِ والأشْجارِ المُثْمِرَةِ هو الطِّينُ، ومَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ أنَّ الأشْجارَ المُثْمِرَةَ خَيْرٌ مِنَ الرَّمادِ، وأيْضًا فَهَبْ أنَّ اعْتِبارَ هَذِهِ الجِهَةِ يُوجِبُ الفَضِيلَةَ، إلّا أنَّ هَذا يُمْكِنُ أنْ يَصِيرَ مُعارَضًا بِجِهَةٍ أُخْرى تُوجِبُ الرُّجْحانَ، مِثْلَ إنْسانٍ نَسِيبٍ عارٍ عَنْ كُلِّ الفَضائِلِ، فَإنَّ نَسَبَهُ يُوجِبُ رُجْحانَهُ، إلّا أنَّ الَّذِي لا يَكُونُ نَسِيبًا قَدْ يَكُونُ كَثِيرَ العِلْمِ والزُّهْدِ، فَيَكُونُ هو أفْضَلَ مِن ذَلِكَ النَّسِيبِ بِدَرَجاتٍ لا حَدَّ لَها، فالمُقَدِّمَةُ الكاذِبَةُ في القِياسِ الَّذِي ذَكَرَهُ إبْلِيسُ هو هَذِهِ المُقَدِّمَةُ، فَإنْ قالَ قائِلٌ: هَبْ أنَّ إبْلِيسَ أخْطَأ في هَذا القِياسِ، لَكِنْ كَيْفَ لَزِمَهُ الكُفْرُ مِن تِلْكَ المُخالَفَةِ ؟ وبَيانُ هَذا السُّؤالِ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: (اسْجُدُوا) أمْرٌ، والأمْرُ لا يَقْتَضِي الوُجُوبَ بَلِ النَّدْبَ، ومُخالَفَةُ النَّدْبِ لا تُوجِبُ العِصْيانَ فَضْلًا عَنِ الكُفْرِ، وأيْضًا فالَّذِينَ يَقُولُونَ: إنَّ الأمْرَ لِلْوُجُوبِ فَهم لا يُنْكِرُونَ كَوْنَهُ مُحْتَمِلًا لِلنَّدْبِ احْتِمالًا ظاهِرًا، ومَعَ قِيامِ هَذا الِاحْتِمالِ الظّاهِرِ كَيْفَ يَلْزَمُ العِصْيانُ فَضْلًا عَنِ الكُفْرِ.