Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 38:75-79
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الحُجَّةُ الثّانِيَةَ عَشْرَةَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ الغَنِيُّ وأنْتُمُ الفُقَراءُ﴾ [محمد: ٣٨] ولَوْ كانَ مُرَكَّبًا مِنَ الأجْزاءِ والأبْعاضِ لَكانَ مُحْتاجًا إلَيْها، وذَلِكَ يَمْنَعُ مِن كَوْنِهِ غَنِيًّا عَلى الإطْلاقِ، فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ أنَّ القَوْلَ بِإثْباتِ الأعْضاءِ والأجْزاءِ لِلَّهِ مُحالٌ، ولَمّا ثَبَتَ بِالدَّلائِلِ اليَقِينِيَّةِ وُجُوبُ تَنْزِيهِ اللَّهِ تَعالى عَنْ هَذِهِ الأعْضاءِ - فَنَقُولُ: ذَكَرَ العُلَماءُ في لَفْظِ اليَدِ وُجُوهًا:
الأوَّلُ: أنَّ اليَدَ عِبارَةٌ عَنِ القُدْرَةِ، تَقُولُ العَرَبُ: ما لِي بِهَذا الأمْرِ مِن يَدٍ، أيْ: مِن قُوَّةٍ وطاقَةٍ، قالَ تَعالى: ﴿أوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧] .
الثّانِي: اليَدُ عِبارَةٌ عَنِ النِّعْمَةِ؛ يُقالُ: أيادِي فُلانٍ في حَقِّ فُلانٍ ظاهِرَةٌ، والمُرادُ النِّعَمُ، والمُرادُ بِاليَدَيْنِ النِّعَمُ الظّاهِرَةُ والباطِنَةُ أوْ نِعَمُ الدِّينِ والدُّنْيا.
الثّالِثُ: أنَّ لَفْظَ اليَدِ قَدْ يُزادُ لِلتَّأْكِيدِ، كَقَوْلِ القائِلِ لِمَن جَنى بِاللِّسانِ: هَذا ما كَسَبَتْ يَداكَ، وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [الأعراف: ٥٧] .
ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: حَمْلُ اليَدِ عَلى القُدْرَةِ هَهُنا غَيْرُ جائِزٍ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ ظاهِرَ الآيَةِ يَقْتَضِي إثْباتَ اليَدَيْنِ، فَلَوْ كانَتِ اليَدُ عِبارَةً عَنِ القُدْرَةِ لَزِمَ إثْباتُ قُدْرَتَيْنِ لِلَّهِ، وهو باطِلٌ.