Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 38:71-74
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
أمّا الجَسَدُ فَإنَّهُ إنَّما يَتَوَلَّدُ مِنَ المَنِيِّ، والمَنِيُّ إنَّما يَتَوَلَّدُ مِن دَمِ الطَّمْثِ وهو إنَّما يَتَوَلَّدُ مِنَ الأخْلاطِ الأرْبَعَةِ، وهي إنَّما تَتَوَلَّدُ مِنَ الأرْكانِ الأرْبَعَةِ، ولا بُدَّ في حُصُولِ هَذِهِ التَّسْوِيَةِ مِن رِعايَةِ مِقْدارٍ مَخْصُوصٍ لِكُلِّ واحِدٍ مِنها، ومِن رِعايَةِ كَيْفِيَّةِ امْتِزاجاتِها وتَرْكِيباتِها، ومِن رِعايَةِ المُدَّةِ الَّتِي في مِثْلِها حَصَلَ ذَلِكَ المِزاجُ الَّذِي لِأجْلِهِ يَحْصُلُ الِاسْتِعْدادُ لِقَبُولِ النَّفْسِ النّاطِقَةِ.
وأمّا النَّفْسُ فَإلَيْها الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي﴾ ولَمّا أضافَ الرُّوحَ إلى نَفْسِهِ دَلَّ عَلى أنَّهُ جَوْهَرٌ شَرِيفٌ عُلْوِيٌّ قُدْسِيٌّ، وذَهَبَتِ الحُلُولِيَّةُ إلى أنَّ كَلِمَةَ ”مِن“ تَدُلُّ عَلى التَّبْعِيضِ، وهَذا يُوهِمُ أنَّ الرُّوحَ جُزْءٌ مِن أجْزاءِ اللَّهِ تَعالى، وهَذا غايَةُ الفَسادِ، لِأنَّ كُلَّ ما لَهُ جُزْءٌ وكُلٌّ، فَهو مُرَكَّبٌ ومُمْكِنُ الوُجُودِ لِذاتِهِ ومُحْدَثٌ.
وأمّا كَيْفِيَّةُ نَفْخِ الرُّوحِ، فاعْلَمْ أنَّ الأقْرَبَ أنَّ جَوْهَرَ النَّفْسِ عِبارَةٌ عَنْ أجْسامٍ شَفّافَةٍ نُورانِيَّةٍ، عُلْوِيَّةِ العُنْصُرِ، قُدْسِيَّةِ الجَوْهَرِ، وهي تَسْرِي في البَدَنِ سَرَيانَ الضَّوْءِ في الهَواءِ، وسَرَيانَ النّارِ في الفَحْمِ، فَهَذا القَدْرُ مَعْلُومٌ. أمّا كَيْفِيَّةُ ذَلِكَ النَّفْخِ فَمِمّا لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ تَعالى.