Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 38:65-70
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كانَ لِيَ مِن عِلْمٍ بِالمَلَإ الأعْلى إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ تَعالى رَغَّبَ المُكَلَّفِينَ في الِاحْتِياطِ في هَذِهِ المَسائِلِ الأرْبَعِ، وبالَغَ في ذَلِكَ التَّرْغِيبِ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنها نَبَأٌ عَظِيمٌ، والنَّبَأُ العَظِيمُ يَجِبُ الِاحْتِياطُ فِيهِ.
الثّانِي: أنَّ المَلَأ الأعْلى اخْتَصَمُوا. وأحْسَنُ ما قِيلَ فِيهِ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ:
صفحة ١٩٧
﴿إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ونُقَدِّسُ لَكَ قالَ إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠] والمَعْنى أنَّهم قالُوا أيُّ فائِدَةٍ في خَلْقِ البَشَرِ مَعَ أنَّهم يَشْتَغِلُونَ بِقَضاءِ الشَّهْوَةِ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ وبِإمْضاءِ الغَضَبِ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ويَسْفِكُ الدِّماءَ ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ فَقالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ وتَقْرِيرُ هَذا الجَوابِ واللَّهُ أعْلَمُ، أنْ يُقالَ إنَّ المَخْلُوقاتِ بِحَسَبِ القِسْمَةِ العَقْلِيَّةِ عَلى أقْسامٍ أرْبَعَةٍ:
أحَدُها: الَّذِينَ حَصَلَ لَهُمُ العَقْلُ والحِكْمَةُ، ولَمْ تَحْصُلْ لَهُمُ النَّفْسُ والشَّهْوَةُ وهُمُ المَلائِكَةُ فَقَطْ.
ثانِيها: الَّذِينَ حَصَلَ لَهُمُ النَّفْسُ والشَّهْوَةُ، ولَمْ يَحْصُلْ لَهُمُ العِلْمُ والحِكْمَةُ وهي البَهائِمُ.