Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 38:55-64
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
مَعْنى تَقْدِيمِهِمُ العَذابَ لَهم ؟ قُلْنا الَّذِي أوْجَبَ التَّقْدِيمَ هو عَمَلُ السُّوءِ. قالَ تَعالى: ﴿وذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ ﴿ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكُمْ﴾ [الأنْفالِ: ٥٠، ٥١] إلّا أنَّ الرُّؤَساءَ لَمّا كانُوا هُمُ السَّبَبُ فِيهِ بِإغْوائِهِمْ وكانَ العَذابُ جَزاءُهم عَلَيْهِ قِيلَ أنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا، فَجَعَلَ الرُّؤَساءَ هُمُ المُقَدَّمِينَ وجَعَلَ الجَزاءَ هو المُقَدَّمُ، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿قَدَّمْتُمُوهُ﴾ كِنايَةٌ عَنِ الطُّغْيانِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وإنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿فَبِئْسَ القَرارُ﴾ أيْ: بِئْسَ المُسْتَقَرُّ والمَسْكَنُ جَهَنَّمُ، ثُمَّ قالَتِ الأتْباعُ ﴿رَبَّنا مَن قَدَّمَ لَنا هَذا فَزِدْهُ عَذابًا ضِعْفًا﴾ أيْ مُضاعَفًا ومَعْناهُ ذا ضَعْفٍ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا هَؤُلاءِ أضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا﴾ [الأعْرافِ: ٣٨] وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا إنّا أطَعْنا سادَتَنا وكُبَراءَنا فَأضَلُّونا السَّبِيلَ﴾ ﴿رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ العَذابِ﴾ [الأحْزابِ: ٦٧، ٦٨] فَإنْ قِيلَ كُلُّ مِقْدارٍ يُفْرَضُ مِنَ العَذابِ فَإنْ كانَ بِقَدْرِ الِاسْتِحْقاقِ لَمْ يَكُنْ مُضاعَفًا، وإنْ كانَ زائِدًا عَلَيْهِ كانَ ظالِمًا وإنَّهُ لا يَجُوزُ. قُلْنا المُرادُ مِنهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: «ومَن سَنَّ سَنَةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُها ووِزْرُ مَن عَمِلَ بِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ» والمَعْنى أنَّهُ يَكُونُ أحَدُ القِسْمَيْنِ عَذابَ الضَّلالِ، والثّانِي عَذابَ الإضْلالِ واللَّهُ أعْلَمُ.