Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 38:52-54
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
اعْلَمْ أنَّ في قَوْلِهِ: ﴿ذِكْرٌ﴾ وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى إنَّما شَرَحَ ذِكْرَ أحْوالِ هَؤُلاءِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لِأجْلِ أنْ يَصْبِرَ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى تَحَمُّلِ سَفاهَةِ قَوْمِهِ، فَلَمّا تَمَّمَ بَيانَ هَذا الطَّرِيقِ وأرادَ أنْ يَذَكُرَ عَقِيبَهُ طَرِيقًا آخَرَ يُوجِبُ الصَّبْرَ عَلى سَفاهَةِ الجُهّالِ، وأرادَ أنْ يُمَيِّزَ أحَدَ البابَيْنِ عَنِ الآخَرِ، لا جَرَمَ قالَ: ﴿هَذا ذِكْرٌ﴾، ثُمَّ شَرَعَ في تَقْرِيرِ البابِ الثّانِي فَقالَ: ﴿وإنَّ لِلْمُتَّقِينَ﴾ كَما أنَّ المُصَنِّفَ إذا تَمَّمَ كَلامًا قالَ هَذا بابٌ، ثُمَّ شَرَعَ في بابٍ آخَرَ، وإذا فَرَغَ الكاتِبُ مِن فَصْلٍ مِن كِتابِهِ وأرادَ الشُّرُوعَ في آخَرَ قالَ: هَذا، وقَدْ كانَ كَيْتَ وكَيْتَ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ لَمّا أتَمَّ ذِكْرَ أهْلِ الجَنَّةِ وأرادَ أنْ يُرْدِفَهُ بِذِكْرِ أهْلِ النّارِ قالَ: ﴿هَذا وإنَّ لِلطّاغِينَ﴾ [ص: ٥٥] .
الوَجْهُ الثّانِي في التَّأْوِيلِ: أنَّ المُرادَ هَذا شَرَفٌ وذِكْرٌ جَمِيلٌ لِهَؤُلاءِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ يُذْكَرُونَ بِهِ أبَدًا، والأوَّلُ هو الصَّحِيحُ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وإنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾ .
فاعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْ كَفّارِ قُرَيْشٍ سَفاهَتَهم عَلى النَّبِيِّ ﷺ بِأنْ وصَفُوهُ بِأنَّهُ ساحِرٌ كَذّابٌ، وقالُوا لَهُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ ﴿رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا﴾ فَعِنْدَ هَذا أمَرَ مُحَمَّدًا بِالصَّبْرِ عَلى تِلْكَ السَّفاهَةِ، وبَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ الصَّبْرَ لازِمٌ مِن وجْهَيْنِ: